استهلال: من التلقف العشوائي إلى التلقي الواعي
في حلقتنا الماضية من محراب الكلمة، أبحرنا في مفهوم التلقف وكيف يتباين جوهرياً عن التلقي الحقيقي. كشفنا كيف أن الالتقاط العشوائي للمعلومات دون تمحيص يؤدي بالضرورة إلى تشتت الذهن وضحالة الإدراك. واليوم، نغوص أعمق لنستكشف ثلاثية مفصلية في بناء الوعي، وهي مراتب المعرفة التي ترتقي بالإنسان من غيابات الجهل إلى إشراقات الفهم المستنير.
التمثيل القرآني لمراتب الوعي
يرسم لنا البيان الإلهي صورة بليغة تعجز الأوصاف عن مضاهاتها، حيث يقول الله تعالى:
﴿ أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ۚ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا ۗ وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ ﴾
. هذه الآية لا تصف مشهداً طبيعياً فحسب، بل هي رمزية عميقة لمراتب حجب المعرفة. فالإنسان في رحلته نحو الحقيقة يتدرج في سلم الوعي، مقتلعاً نفسه من تلك الظلمات المتراكبة، ليبحث عن النور الذي يمنحه الله لعباده الصادقين في طلب العلم.
المرتبة الأولى: مخاض الجهل وتحدي الاستفاقة
الجهل هو نقطة الصفر في المسيرة المعرفية، وقد أشار القرآن إلى هذه الفطرة الأولى بقوله:
﴿ وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا ﴾
. لكن الخطر لا يكمن في الجهل البسيط الذي يقر فيه صاحبه بقصوره، بل في الجهل المركب الذي هو وهم المعرفة. يقول الإمام الغزالي موضحاً هذه المعضلة: الجاهل قد يُستدرك أمره، لكن المركب على جهله لا سبيل إلى إصلاحه. إن التواضع أمام الحقيقة والاعتراف بـ لا أدري هو البوابة الملكية التي عبر منها العظماء كالشافعي والغزالي نحو آفاق العلم الرحبة.
المرتبة الثانية: العلم كجسر نحو الحقيقة
يأتي العلم كخطوة متقدمة تتجاوز مجرد الغياب المعرفي إلى امتلاك الحقائق. ومع ذلك، يفرق الحكماء بين العلم السطحي الذي يكتفي بجمع المعلومات وتخزينها كالأوعية، وبين العلم العميق الذي يدرك الروابط الخفية بين الأشياء. وفي هذا السياق، نذكر قول النبي صلى الله عليه وسلم:
" رُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ لَيْسَ بِفَقِيهٍ، وَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ "
. العلم الحقيقي هو صفة راسخة في النفس كما وصفه ابن خلدون، وليس مجرد محفوظات باردة لا تنعكس على الواقع.
المرتبة الثالثة: الفهم.. ذروة التجربة المعرفية
الفهم هو الغاية الأسمى، حيث تتحول المعرفة من معلومة في الذهن إلى نور في القلب. إذا كان العلم هو وصف خصائص الماء الكيميائية، فإن الفهم هو تذوق عذوبته وارتواء الظمأ به. يتسم الفهم بالشمولية والقدرة على تطبيق المعرفة وتحويلها إلى سلوك مصلح للنفس وللمجتمع، وهو ما لخصه الإمام علي رضي الله عنه بقوله: العلم ما نفعك، والفهم ما أصلحك. الفهم هو النقطة التي يلتقي فيها العقل بالقلب ليشكل رؤية كونية متكاملة.
خاتمة: الشكر ثمرة المعرفة ومنتهاها
تنتهي رحلة المعرفة بالعودة إلى المنبع، وهو الاعتراف بفضل الواهب سبحانه. فالمعرفة الحقيقية لا تزيد صاحبها استكباراً، بل تورثه امتناناً وعبودية. يقول تعالى:
﴿ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ ۙ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾
. فالشكر هو ميزان نجاح الرحلة المعرفية، ومن شكر زاد، كما وعد الحق:
﴿ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ﴾
. انتظرونا في الحلقة القادمة لنتحدث عن التعلق والتخلق، وكيف ينتقل الفكر من السكون إلى الحركة السلوكية.
تم التنسيق عبر مدونة محراب الكلمة