خارطة الطريق إلى اليقين: حديث جبريل عليه السلام أساس الدين
أهلاً بك أيها الساعي في دروب المعرفة واليقين. إن «حديث جبريل عليه السلام» ليس مجرد نصٍّ نرويه، بل هو أصل الدين وجماع أمره، وهو الخارطة التي ترسم لك مسار التدرج الروحي من العمل الظاهر إلى عمق المشاهدة. في هذا اللقاء المهيب بين سيد الملائكة وسيد البشر، تجلّت مراتب الدين الأربعة التي تُمثل رحلة المؤمن عبر العوالم: المرتبة الأولى هي الإسلام، عالم الظهور، وهي الأعمال الظاهرة من صلاة وزكاة، حيث يطوّع العبد جوارحه لأوامر الخالق. تليها مرتبة الإيمان، عالم الشعور، وهي التصديق القلبي الغيبي بما لا تراه العين، حيث يسكن اليقين في الوجدان. ثم مرتبة الإحسان، عالم الحضور، وهي ذروة السلوك،
" أن تعبد الله كأنك تراه "
،فتستحضر المراقبة الإلهية في كل سكون وحركة. وأخيرًا، مرتبة الساعة، عالم الشهود والمكاشفة، وهي اللحظة التي يُرفع فيها الغطاء بالكلية، فتصبح الحقائق عيانًا ويكون
﴿ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ ﴾
. لكي ينتقل المؤمن من مجرد «الشعور» القلبي بالإيمان إلى «حضور» الروح مع الله في مقام الإحسان، لا بد له من عبور جسر «القدر»، فهو الركن الذي يربط الغيب بالواقع المشهود.
القدر: الجسر الذي يربط الغيب بالواقع المشهود
لماذا جاء القدر سادسًا وآخر أركان الإيمان؟ لأنه «نقطة التقاء» فريدة؛ فهو الغيب الوحيد الذي «نعايشه» ظهورًا ونلمسه في واقعنا كل يوم. على عكس أركان الإيمان الخمسة الأولى التي تتناول غيوبًا محضة كالملائكة والرسل السابقين ويوم الآخر، فإن الإيمان بالقدر يجمع بين الغيب والشهادة. فنحن نؤمن به غيبًا، ولكننا نشهد وقوع «المقدور» عيانًا في كل حين. إن رؤية «المُقدِّر» وراء كل «مقدور» هي التي تنقل العبد من الوحشة إلى الأنس والطمأنينة. عندما تدرك أن يد الله هي الفاعلة وراء كل حدث، يتحول الخوف من المجهول إلى طمأنينة «كأنك تراه». فمن رأى القدر في كل شيء، رأى الله في كل شيء، فوصل بذلك إلى مقام الإحسان الحقيقي.
من سيرة موسى عليه السلام: المنة الإلهية في ثنايا القدر
إن حياة نبي الله موسى عليه السلام هي التطبيق العملي للقاعدة الذهبية: «المنة مستورة في ثنايا القدر». كل ما بدا «بلاءً» في الظاهر، كان في حقيقة الأمر «عطاءً» لدنّيًا وحكمة بالغة. فـ «عقدة اللسان» التي عانى منها موسى لم تكن عيبًا محضًا، بل كانت حجابًا أمنيًا؛ حين رآها فرعون اطمأن أن هذا الطفل «لا يعقل» فتركه يعيش. والمفارقة الكبرى أن من مُنع من كمال الكلام مع الخلق، أُكرم بـ «التكليم» المباشر من رب الخلق، فصار «كليم الله». كذلك حادثة «قتل النفس» خطأ، التي بدت جريمة وتسببت في اضطراره للفرار، كانت في باطنها المخرج الوحيد من أرض الطغيان إلى «مدين»، حيث السكينة، والزواج، والتهيؤ للرسالة بعيدًا عن كفر فرعون. وحتى في مشهد «الهروب والبحر» عندما كان الحصار مطبقًا، علّم الله موسى أن السلامة ليست في الهروب من الأقدار بل في اقتحامها توكلاً وثقة؛ فالطريق الذي كان قبرًا لفرعون هو نفسه الذي كان جسر حياة لموسى وقومه. إن هذا يجسد قانون «من أجل عين ألف عين تُكرم»؛ فبعقدة لسان موسى نال أخوه هارون شرف النبوة والوزارة، فصار نقص أحدهما بابًا لرفعة الآخر.
مدرسة الخضر: تأويل الأقدار الخفية وحكمتها
تمثل رحلة موسى مع الخضر «المختبر الإلهي» لفك شفرات القدر وتأويل ما خفي من حكمته عبر ثلاث قواعد كونية عظيمة. الأولى هي «قاعدة السفينة» التي علمنا منها أن «العيب الذي يحفظ الكُل هو الكمالُ عينه». فالفعل الظاهر كان خرقًا وتخريبًا لممتلكات مساكين، أما السر المحجوب فكان حمايتها من الملك الظالم الذي لا يصادر إلا كل سفينة «صحيحة». وهنا قال الخضر متأدبًا:
﴿ فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا ﴾
فنسب العيب لنفسه. أما الثانية فهي «قاعدة الغلام»: «الموت قد يكون رحمةً مغلّفة بوجع». فالفعل الظاهر كان إنهاء حياة طفل بريء، لكن السر المحجوب كان حماية إيمان الأبوين من طغيان هذا الغلام وكفره مستقبلًا، وهنا قال الخضر:
﴿ فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا ﴾
بصيغة الجمع لإشراك الإرادة الإلهية في هذا التغيير الجذري للأقدار. والقاعدة الثالثة هي «قاعدة الجدار»: «الأقدار العالية تحمي كنوزنا التي لم يحن وقتها». فالفعل الظاهر كان بناء جدار لقرية لئيمة بلا أجر، لكن السر المحجوب كان حفظ كنز ليتيمين بصلاح أبيهما المتوفى، وهنا قال الخضر:
﴿ فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ ﴾
لأن هذا الخير المحض والمستقبلي لا يُنسب إلا لله وحده. إن الجدار يمثل القدر الذي يرتفع ليحجب عنك ما تحب «الآن»، ليحميه لك «لاحقًا». فالله حرك نبيًا وعبدًا لدنّيًا فقط ليقيم جدارًا يحمي حق يتيمين؛ لأن صلاح الآباء هو الحارس الحقيقي لكنوز الأبناء.
الساعة: انكشاف الحجب وعلو مقام النبوة
في ختام حديث جبريل عليه السلام، نصل إلى «الساعة» التي تسقط عندها كل الجدران وتنكشف «تأويلات» الأقدار التي آمنا بها غيبًا. في المشهد المهيب، يأتي جبريل (سيد الغيب) متعلماً، يجلس بين يدي النبي محمد صلى الله عليه وسلم (سيد البشر) بوقار شديد؛ مسندًا ركبتيه إلى ركبتيه، في إعلان صريح لعلو مقام النبوة. وتجلّت عظمة النبي في قوله:
" ما المسؤول عنها بأعلم من السائل "
، فساوى نفسه بسيد الملائكة في الغيب المطلق، بينما جعل من نفسه مرجعًا حتى للملائكة في تعليم الأمة دينها. إن علامات الساعة هي لعامة الناس نذر وتذكير، أما لخاصة الخاصة فهي «بشائر الوصول». وكما أن العامة يرتعدون من صوت الرعد، فإن العارف يستبشر به لأنه إيذان بـ «غيث» اللقاء المحبوب. إن إخفاء الساعة مع كشف علاماتها يهدف لتحقيق اليقظة الدائمة والاستعداد المستمر، ليكون العبد في حالة «حضور» دائم مع الله.
جدارك الخاص وكنزك المنتظر: الخاتمة وقواعد اليقين
أيها المتعلم، تذكر أن الصعوبات التي تواجهها اليوم ليست إلا «جدرانًا» يرفعها الله أمامك. قد يبدو الجدار قاسيًا، لكنه يستر خلفه كنزًا لم يحن وقت استخراجه بعد. إليك ست قواعد كبرى مستخلصة من رحلتنا: أولًا، القدر مفتاح الإحسان: هو الجسر الذي ينقلك من تصديق القلب إلى حضور الروح مع «المُقدِّر». ثانيًا، الحماية بالنقص: الله قد يحميك بـ «خرق» في سفينتك أو «عقدة» في لسانك؛ فالنقص الظاهر هو الكمال الباطن. ثالثًا، المنع هو عين العطاء: ما حُرمت منه قد يكون السبب الأكبر لنجاتك من ملك ظالم أو فتنة مهلكة. رابعًا، تدرج الإرادات: تعلّم أن تنسب العيب لقصورك (أردتُ)، والخير المطلق لله (أراد ربك). خامسًا، الصبر شرط الانكشاف: لن تفهم «تأويل» الأقدار إلا إذا تسلحت بالصبر الجميل أمام ما لم تُحط به خبرًا. سادسًا، صلاحك مظلة لأبنائك: كنز ذريتك محفوظ بتقواك، فالله خيرٌ حافظًا وهو أرحم الراحمين. إن القدر هو سر الاطمئنان والهدوء في قلب العاصفة. فكلما ضاق بك الحال، تذكر قول موسى عليه السلام:
﴿ قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ ﴾
. اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد، النبي الذي علمه ربه فأحسن تعليمه، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
تم التنسيق عبر مدونة محراب الكلمة