السُّم في الدَّسَم: حين يصبح الاستماع خيانة
في عصرنا الحالي الذي تتكاثر فيه المجالس وتتعدد المنابر وتتسع فيه مساحات النقاش، قد يختلط على الكثيرين مفهوم البركة في كثرة الكلام أو الكرم في فتح المجال لكل متحدث. يغفل البعض عن الخطر الكامن في تمكين من لا يمتلك الأهلية الحقيقية للحديث، بل والأخطر أن يكون هذا التمكين ليس عن غفلة أو جهل، وإنما عن محاباة أو مجاملة. إن السلبية إزاء هذا الخطر تتجاوز مجرد التقصير، لتصل إلى حد الخيانة. فالاستماع في هذه الحالة ينقلب من فضيلة إلى رذيلة، ومن انفتاح محمود إلى تلبيس مدمّر.
التزكية الصامتة: حين يصبح الاستماع إقراراً
إن المستمع، بمجرد إصغائه وانتباهه، يمنح المتكلم نوعًا من التزكية الضمنية. فغالبية الناس لا يملكون القدرة على التمييز الدقيق بين الاستماع المجامل الذي يفرضه الأدب، والاستماع المُقِرّ الذي يدل على الموافقة والرضا. ولا يفرقون بين الصمت المهذب الذي قد يخفي اعتراضًا، والصمت الموافق الذي هو إقرار صريح. فإذا رأوا شخصية ذات مكانة أو علم تستمع بانتباه إلى آخر، يظنون أن هذا الاستماع بمثابة شهادة لصلاح هذا المتكلم وعلمه، وأن صمت المستمع عن الرد أو الاعتراض هو إقرار بصحة ما يقول. وهنا يقع المستمعون في خداع مزدوج: خداع المتكلم الذي يغتر بظنه أنه أهل للكلام، وخداع الجمهور الذي يعتقد أن ما يسمعه حق لا ريب فيه.
خيانات ثلاث: ثمن المجاملة على حساب الحق
إن الذي يُقدم على فتح المنبر لمن لا يستحقه، مدفوعًا بمحاباة أو تملق أو خشية من الإحراج، يرتكب ثلاث خيانات جسيمة في آن واحد. الخيانة الأولى هي للمتكلم نفسه، إذ يُوهمه بأهليته للقول والإرشاد، فيُعزز غروره ويزيد جهله بنفسه، ويدفعه إلى التمادي فيما ليس له به علم. فيتحول هذا المتكلم إلى ضحية لمن استمع إليه، بدلًا من أن يكون منتفعًا. الخيانة الثانية هي للحاضرين الذين أتوا التماسًا للعلم والنور، فوجدوا أنفسهم أمام الجهل والظلمة، لكنهم لم يدركوا ذلك بسبب التزكية الصامتة من المستمع المُحابي. أما الخيانة الثالثة، فهي خيانة النفس، حيث يُدخل النفاق إلى قلبه، فيُظهر ما لا يُبطن، ويُرضي الناس بسخط الحق. وهذا ما حذر منه القرآن الكريم بقوله
﴿ وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ ۖ وَإِن يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ ۖ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ ﴾
(المنافقون: ٤). فالعبرة ليست بالمظهر الجذاب أو باللسان الفصيح، بل بما وراء ذلك من علم وصدق وتحقق. وكم تشبه حال بعض المتكلمين اليوم بحال هؤلاء الذين تعجبك هيئتهم وتسمع لقولهم، لكنهم في الحقيقة كخشب مسندة، لا جذور لهم في العلم ولا ثمار في المعرفة.
إنكار المنكر: بين ضعف الإيمان والمشاركة فيه
في ظل هذه المجالس التي يُفتح فيها المجال لغير الأكفاء، يُصبح موقف المستمع بالغ الأهمية. فإذا كان إنكار المنكر بالقلب يُعد أضعف الإيمان، كما جاء في حديث النبي صلى الله عليه وسلم:
" من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان "(رواه مسلم)
فما بالك بمن لا يُنكر المنكر أصلًا، بل يفتح له الباب ويُضفي عليه شرعيةً بوهم الرضا عنه؟ هذا ليس مجرد ضعف في الإيمان، بل هو مشاركة فعلية في المنكر ذاته، لأنه يُعطيه قبولًا ومصداقية لم يكن ليحظى بها لولا هذا الاستماع المخادع والسماح بالتكلم.
المجالس غاية أم وسيلة؟ تحريف المقاصد
تتفاقم هذه المعضلة عندما يتحول المجلس ذاته من وسيلة لتحقيق غايات أسمى – كالقرب من الله، والتزكية، والمعرفة، والذكر – إلى غاية في حد ذاته. حين يصبح الهدف الأسمى هو الحفاظ على بقاء المجلس واستمراريته، وتجنب أي خلاف أو انفضاض، عندها قد تُنتهك الحرمات وتُداس المبادئ باسم 'حفظ المجلس'. فيُسمح للجاهل بالكلام خشية أن يترك الحضور، ويُداهَن المنافق حرصًا على العدد، ويُسكت عن المنكر حفاظًا على الصورة الظاهرة. وينسى هؤلاء أن المجلس الملوث بالباطل والجهل أشد ضررًا على أهله من عدم انعقاده أصلًا. فالجودة تُقدم على الكمية، والصدق يُفضل على الكثرة. فالطريق الحقيقي إلى الله يجب أن يكون نقيًا صافيًا، وإلا أوصل إلى غير المقصد الصحيح. وكذلك المجلس الصالح، لا يكفي أن يضم الذكر والمذاكرة، بل يجب أن يكون أهله على بصيرة تامة، محافظين على حدود المعرفة، عارفين بمن هو أهل للكلام ومن ليس له ذلك.
تكاثر الداء: حين يصبح الجهل علماً
إن أشد مخاطر هذا الداء تكمن في طبيعته التكاثرية والانتشارية. فالمتكلم الذي انخدع بنفسه وظن أنه أهل للحديث سيقوم بتخريج آخرين ممن انخدعوا مثله، والجمهور الذي استمع لهذا الباطل وصدّقه قد يتحول بعضهم إلى متكلمين بغير علم أو بصيرة. وهكذا تتسع الدائرة وتتمدد، فيختلط الحق بالباطل، ويُصبح الجهل يُقدّم على أنه علم، والدعوى تُعتبر برهانًا. وعندها يقول الناس: "هكذا سمعنا من شيوخنا"، وما علموا أن هؤلاء "الشيوخ" لم يكونوا شيوخًا في الحقيقة، بل مجرد مدعين مُنحت لهم "المشيخة" بالمحاباة والمجاملة. وهذا يتنافى كليًا مع أمر الله تعالى بالعدل والشهادة للحق، حتى لو كانت ضد الأقربين، كما جاء في قوله سبحانه:
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ ﴾(النساء: ١٣٥)
فالقيام بالقسط لا يستثني أحدًا، ولا يُترك لأجل قرابة أو صداقة أو خوف من الفتنة. والشهادة لله تقتضي قول الحق بوضوح، ومنع المنبر عمن لا يستحقه، حتى لو كان قريبًا أو محبوبًا.
الرحمة الحقيقية: الصدق لا المجاملة
قد يتوهم المستمع المخادع أنه يُحسن صنعًا حين يتجنب المواجهة، ويظن أن في صمته رحمة ولطفًا. لكنه يغفل عن أن الرحمة الحقيقية تكمن في الصدق والوضوح، وأن اللطف الحقيقي يظهر في المنع من الخطأ لا في التمكين منه. فمن منع الجاهل من الكلام، فقد رحمه من وزر أقواله الباطلة، ورحم الناس من الوقوع في ضلاله، وحمى نفسه من المشاركة في الإثم. أما من فتح له المجال، فقد أساء إليه وإلى الناس وإلى نفسه، حتى وإن ظن أنه يُحسن إليهم. فالرحمة ليست ضعفًا أو جبنًا، بل هي وقوف مع الحق مهما كلف الأمر.
طهارة المجلس: أهمية الميزان الصحيح
لا ريب في أن نقاء المشروب - أي صحة الذكر والقول في الله - أمر أساسي، ولا أحد يقبل تحريف لفظ أو تبديل معنى، وهذا أمر حسن ومطلوب. لكن السؤال الأهم هنا: هل المشرب نفسه نقي؟ هل الإناء الذي يُقدم فيه الشراب طاهر؟ هل الكأس الذي نرتوي منه صافٍ؟ فكما نحافظ على صحة الذكر وسلامته، يجب علينا أن نحافظ على طهارة المجلس ونقائه. ما بالنا نُدقّق في الكلمات ونُهمل التدقيق في المتكلمين؟ إن الله تعالى يقول محذرًا:
﴿ وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾(البقرة: ٤٢).
والتلبيس هنا أشد خطرًا من الكتمان، لأن الكتمان يُبقي الناس في جهلهم الصريح، أما التلبيس فيُوقعهم في وهم العلم والمعرفة وهم في غياهب الضلال. فحين يُخلط الحق بالباطل في مجلس واحد، وحين يُعطى المدعي والعالم المنبر ذاته، وحين يُستمع للجاهل كما يُستمع للعارف، يفقد الناس ميزانهم، وتلتبس عليهم مفاهيمهم، ويصبح السم في الدسم، والباطل يُعرض في ثوب الحق، والجهل يُلبس لباس العلم.
شجاعة القلب: هجر التلبيس وحفظ الأمانة
إن معالجة هذا الأمر تتطلب شجاعة من نوع خاص؛ ليست شجاعة السيف والمواجهة الصاخبة، بل شجاعة القلب الذي لا يخشى في الله لومة لائم. إنها شجاعة أن تقول "لا" بوضوح حين يطلب منك الجاهل أن يتكلم، وشجاعة أن تصمت عن الاستماع حين ترى المنبر يُنتهك بالباطل، وشجاعة أن تهجر المجلس نفسه إذا تحول من محراب للصفاء إلى وكر للتلبيس والضلال. هذا الهجر ليس قطيعة للإخوان، بل هو موقف مبدئي من انتهاك حرمات العلم والدين، وحفظ للأمانة التي في عنق كل من يعرف الحق ويسكت عنه. وقد روى الترمذي عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
" لا يحقرن أحدكم نفسه. قالوا: يا رسول الله، كيف يحقر أحدنا نفسه؟ قال: يرى أمراً لله عليه فيه مقال ثم لا يقول فيه، فيقول الله عز وجل له يوم القيامة: ما منعك أن تقول في كذا وكذا؟ فيقول: خشية الناس. فيقول: فإياي كان أحق أن تخشى "
. فإذا كان السكوت عن قول الحق يُعد تحقيرًا للنفس وخشية للناس دون الله، فما بالك بمن يفتح المجال للباطل ويزينه للناس؟
خاتمة: دعوة للمراجعة والصدق
إن المطلوب ليس القسوة أو الفظاظة، بل الوضوح والصدق في التعامل مع هذه المسألة الحيوية. يجب علينا أن نضع معايير واضحة وصارمة لمن يُعطى الكلام في مجالسنا، وألا نحابي أو نجامل أحدًا على حساب الحق والصدق. يجب أن نفرق بوضوح بين الوسيلة والغاية، فلا نجعل بقاء المجلس هدفًا نُضحي من أجله بصفائه وطهارته. وعلينا أن نتذكر دائمًا أننا مؤتمنون على ما نسمع، تمامًا كما نحن مؤتمنون على ما نقول، وأن الاستماع المخادع يُعد خيانة للأمانة، لا يقل خطرًا عن الكلام الباطل نفسه. لن تُعالج هذه الآفة بكلمة عابرة أو موقف وقتي، بل تحتاج إلى مراجعة شاملة لمفهومنا عن المجالس والمنابر، ولمعايير اختيار المتحدثين. إنها دعوة للتأمل العميق والسؤال الصريح: هل نستمع لننتفع حقًا، أم لنُجامل؟ هل مجالسنا وسائل إلى الحق ومعرفته، أم غايات في ذاتها نخاف عليها أكثر مما نخاف على الحق؟ وهل نحن مستعدون لأن نخسر العدد في سبيل الصفاء، أم أننا نقبل بالتلويث من أجل الكثرة؟ هذه أسئلة مصيرية، إجاباتها ستحدد حقيقة ما نحن عليه: هل نحن طالبو حق صادقون، أم طالبو راحة ومجاملة؟ والله المستعان على ما يصفون.
تم التنسيق عبر مدونة محراب الكلمة