من لسان التصديق إلى معاني التحقيق: رحلة اليقين في ملكوت الله

من لسان التصديق إلى معاني التحقيق: رحلة اليقين في ملكوت الله

شارك المقال مع أصدقائك

مقدمة: آيتان في ملكوت الله

بسم الله الرحمن الرحيم. تفتتح هذه الآيات الكريمة من سورة آل عمران للقلب أبواب التأمل في عظمة الخالق وسعة ملكوته، لتأخذنا في رحلة إيمانية عميقة من مجرد التصديق اللفظي إلى استشعار معاني التحقيق في كل تفاصيل حياتنا والكون من حولنا. إنها دعوة للتفكر في الأسماء الإلهية والصفات الربانية التي تتجلى في كل ذرة وجود.

القرآن الكريم

﴿ قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاءُ وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَاءُ ۖ بِيَدِكَ الْخَيْرُ ۖ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ ۖ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ ۖ وَتَرْزُقُ مَن تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾

[آل عمران: ٢٦-٢٧]. هاتان الآيتان ليستا مجرد كلمات تُتلى، بل هما مفتاحان لقلب المؤمن يفتحان له آفاق اليقين، ويُبصرانه بسر تدبير الله في ملكه الذي لا حدود له.

آيتان، مقامان: من التصديق إلى الشهود

تتكامل هاتان الآيتان العظيمتان من كتاب الله لتُرسّخ في القلب أركان الإيمان وتنقله من درجة إلى أخرى. فالآية الأولى تُعد الأساس المتين، حيث تُرسخ في القلب مقام التصديق المطلق، الذي يوقن بأن الله هو مالك الملك الحق، المتفرد بتصريف الأمور، والذي لا يُعقب على حكمه أحد. هذا التصديق يغرس في الروح الإيمان بقدرة الله الكاملة وهيمنته الشاملة. أما الآية الثانية، فهي ترفع العبد إلى مقام أسمى، من الطلب المادي إلى الشهود القلبي، ومن مجرد نطق اللسان بالتصديق إلى استيعاب معاني التحقيق. هنا، تتجلى للقلوب أبواب الطمأنينة والاستئناس بمشاهدة تجليات تدبير الله في الكون، لحظة بلحظة، وآية بعد آية، ليرى العبد بعين اليقين أن كل ما يحدث هو محض حكمته وعدله.

الآية الأولى: لسان التصديق وإقرار القلب

تبدأ رحلة اليقين بقوله تعالى:

القرآن الكريم

﴿ قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ ﴾

. هذا الأمر الإلهي ليس مجرد وصف لصفة من صفات الله، بل هو دعوة صريحة للعباد ليُبسطوا أكفهم بالدعاء، وتلهج ألسنتهم بالطلب، وتتوجه قلوبهم بالكلية إلى مالك الملك وحده. فمن كان يبتغي الملك والعزة والخير، فليطلبه من مصدره الأصيل، من الملك الحق الذي بيده مقاليد كل شيء. وفي قوله سبحانه:

القرآن الكريم

﴿ بِيَدِكَ الْخَيْرُ ﴾

تقف النفوس المتدبرة لتتأمل عمق هذه الكلمة. لماذا خُصص الخير بالذكر وحده، بينما السياق قد تحدث عن إيتاء الملك ونزعه، والإعزاز والإذلال؟ إنها إشارة لطيفة إلى أن جميع أفعال الله تعالى في ملكه هي خير محض، حتى ما قد يبدو للعبد شراً أو ضراً، فهو في حقيقته خير يراد به صلاح العبد أو رفع درجته. فإعطاؤه خير، ومنعه خير، وإعزازه خير، وإذلاله الذي يكسر الكبرياء ليرد العبد إلى ربه هو خير في جوهره. فالمؤمن الحقيقي هو من يرى الخير في طيات النزع كما يراه في طيات العطاء، لأنه يدرك أن مصدرهما واحد، وهو مالك الملك الحكيم الخبير. فمن أراد الفلاح والنجاح في الدنيا والآخرة، فليس له طريق إلا أن يلهج لسانه وقلبه بـ "اللهم مالك الملك"، ليتعلق قلبه بالمعطي الحقيقي لا بالعطاء نفسه، فيعيش في حضرة دائمة من الذكر والفكر والطلب، محققاً بذلك التصديق الكامل الذي لا يشوبه شك.

الآية الثانية: معاني التحقيق ومقام الشهود

بعد أن استقر في القلب التصديق الكامل بأن الله هو مالك الملك، تأتي الآية الثانية لتنقل العبد من مجرد مقام الطلب إلى مقام الشهود والمعاينة. هنا، تُفتح له أبواب الطمأنينة الحقيقية والاستئناس بمشاهدة تصريف الله في كل لحظة وفي كل آية كونية. فالآية الكريمة تأخذ المعاني من المجرد النظري إلى المشهود المحسوس، ومن الأفعال الإلهية العظمى في تسيير الملك إلى الآيات الكونية اليومية التي نعيشها ونراها. في هذا المقام، يتحقق اليقين بالمعاينة البصرية والقلبية، فيرى العبد بعين بصيرته كيف يُدبر الله الكون بأكمله، وكيف تتجلى مشيئته وقدرته في كل صغيرة وكبيرة.

تقلب الليل والنهار: جلال وجمال، قبض وبسط

يقول الحق جل وعلا:

القرآن الكريم

﴿ تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ ﴾

. هذا الإيلاج العجيب ليس مجرد تقلب كوني بين ظلام الليل ونور النهار، بل هو إشارة عميقة لتقلب القلوب بين حالات الجلال والجمال، وبين مشاعر القبض والبسط. فالنهار بضوئه وحركته يرمز إلى الجمال والانبساط واليسر، بينما الليل بظلمته وسكونه يمثل الجلال والانقباض والعسر. فإيلاج الليل في النهار هو دخول الجلال على الجمال، أو مجيء القبض على العبد وهو في حال البسط والنعمة، كأن يكون في فرح فيأتيه حزن، أو في صحة فيباغته مرض. أما إيلاج النهار في الليل، فهو نداء الأمل والرجاء لكل نفس مُثقلة بظلام القبض. فكما يتبع الليل ظلامه بنور الفجر، كذلك يأتي الفرج بعد كل شدة، والبسط بعد كل قبض. لكن الأهم والأعمق في هذا النداء أن النهار لا يدعو العبد للتعلق بالفرج المادي الظاهر، بل يدعوه ليرتد بقلبه إلى من أولج النهار في الليل، إلى الواحد القهار الذي قهر الظلمة بالنور، وقهر القبض بالبسط. فيكون النهار هنا دليلاً لا غاية، وإشارة لا مقصداً، تُرجع القلب إلى المُفرِّج لا إلى الفرج ذاته. وهذا هو جوهر اليقين، أن يرى العبد في كل تقلب وتغير يد الله الواحدة، فيطمئن قلبه في حالتي البسط والقبض، عالماً أن كليهما من تدبير مالك الملك الحكيم.

إخراج الحي من الميت: إحياء القلوب وإغلاق باب اليأس

ثم يقول الحق سبحانه:

القرآن الكريم

﴿ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ ﴾

. هذه الآية العظيمة بمثابة إغلاق لكل أبواب اليأس والقنوط في وجه كل مهموم ومغموم، وكل من أحاطت به المهالك والأمراض والضيق. انظر إلى حبة القمح الميتة اليابسة، التي تُدفن في باطن الأرض، لا حراك فيها ولا حياة، ثم بقدرة الله تنشق عنها الأرض لتصبح نبتة خضراء مورقة، تزخر بالحياة وتهب الحياة لخلق كثير. هذه الحبة تنادي كل من تُحدثه نفسه بالقنوط واليأس: أن القادر المقتدر الذي أخرج الحي من الميت لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء. فمن كان قلبه قد أثقله الهم والغم كالحبة الميتة، أو كان محاطاً بالشدائد كأنه مدفون تحت التراب، أو كان يائساً من الفرج كأن الحياة قد فارقته، فليتدبر في هذه الآية الكريمة. فالقادر العظيم الذي أحيا الأرض بعد موتها قادر على أن يُحيي قلبه، ويُفرّج همه، ويُخرجه من أي مأزق. فتصبح النبتة الخضراء شاهداً حياً على قدرة الله في إحياء الموات، سواء كان موات القلب بالهم، أو موات الجسد بالمرض، أو موات الحال بالضيق. هذا هو باب الرجاء الذي لا يُغلق أبداً، باب يفتحه الله لكل من ضاقت به السبل وانسدت في وجهه الطرق، ليجد فيه العبد بصيص أمل ونوراً يبدد ظلمة اليأس.

إخراج الميت من الحي: حكمة التجديد ودوام الحياة

ثم يقول الحق جل وعلا:

القرآن الكريم

﴿ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ ﴾

. هذا هو سر عظيم من أسرار الوجود التي تدل على كمال تدبير الله وحكمته. تأمل في الخلايا التي تموت في جسدك كل لحظة، كيف تفسح المجال لخلايا جديدة، لتضمن الحياة والاستمرار! فالموت هنا ليس فناءً كاملاً، بل هو جزء أصيل من دورة التجديد، موتٌ يفسح المجال لحياة جديدة، موت لا يُنهي كل شيء بل يُمهد لبدايات أخرى. هذا النظام الإلهي الذي أودعه الله في كل كائن، يجعل قلب العبد متقلباً بين التسليم والتمكين. فمن جهة التسليم، يتعلم العبد أن الموت جزء من طبيعة الحياة، وأن الفقد ضروري للاستمرار، وأن ترك بعض الأمور هو شرط لبقاء الأهم. فكما أن موت الخلية هو شرط حياة الجسد، فإن موت ما يموت في حياة العبد من علاقة، أو منصب، أو حال، أو مرحلة، هو شرط لحياة جديدة وأفضل. فيُسلّم القلب لما يفقده، لأنه يعلم أن هذا من تدبير الحكيم الخبير. ومن جهة التمكين، يتعلم العبد أن الله مكّن للحياة من أن تستمر رغم كل أشكال الموت، وأن النظام الإلهي يضمن التجدد الدائم، وأن كل نهاية هي بداية لحياة جديدة. فيثق العبد أن ما يموت في حياته سيُخلّف حياة أجمل وأطيب، وأن الله الذي جعل التجدد سنة كونية لن يتركه في موته، بل سيُحييه بحياة يملؤها العوض والخير. فيكون القلب مُسلّماً لحكمة الموت في قلب الحياة، ومُمكّناً بثقته المطلقة في قدرة الله على التجديد والإحياء.

الرزق بغير حساب: كمال اليقين وانقطاع السببية

ثم يختتم الحق جل وعلا هذه الآيات الجامعة بقوله:

القرآن الكريم

﴿ وَتَرْزُقُ مَن تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾

. وهذا هو منتهى التسليم وغاية اليقين، والثمرة العظمى لكل ما سبق من المعاني. فمن الذي يرزق الحياة بالموت إلا مالك الملك وحده؟ وإذا كان الموت نفسه يُعد رزقاً لأنه يُحيي ما بعده ويُجدد الحياة، فكيف بالرزق الحقيقي الذي يأتي من الله عز وجل؟ إنه رزق بغير حساب، أي بغير حدود ولا قيود، وبغير اعتبار للأسباب الظاهرة أو المنطق المادي. وهذا هو السر الأعظم في قوله "بغير حساب". فليست العبرة هنا فقط بالكمية والوفرة، بل العبرة بانقطاع السببية الظاهرة. فالله يرزق من يشاء دون أن يحتاج إلى أسباب مادية مألوفة، بل قد يرزق حتى لو انعدمت كل الأسباب الممكنة. لننظر إلى سيدنا زكريا عليه السلام، شيخ كبير وقد بلغت امرأته من العمر عتياً وكانت عاقراً؛ كل الأسباب الطبيعية معدومة، لكن القلب كان مطمئناً بالله، والعقل مستيقناً برزق الله، فجاءه الرزق بغير حساب، أي بغير الأسباب الظاهرة. ولنتأمل حال سيدنا يونس عليه السلام في ظلمات ثلاث: بطن الحوت، وقاع البحر، وظلام الليل؛ كل الأسباب المادية كانت منعدمة، لكن القلب كان مُسلّماً لله، واللسان ذاكراً بـ "لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين"، فجاءته النجاة بغير حساب، من حيث لا يحتسب. هذا هو السر العظيم: أن يدعو العبد بقلب مطمئن بالله، وعقل مستيقن برزق الله حتى وإن عُدِمت الأسباب الظاهرة. فالقلب يطمئن فلا يساوره قلق ولا خوف، والعقل يستيقن فلا يعتريه شك ولا تردد، والرزق آتٍ لا محالة من الله، ولو بدت كل الأسباب منقطعة. وهذا هو كمال اليقين الذي تُثمره هذه الآيات الكريمة في قلب العبد.

الختام: رحلة القلب من التصديق إلى التحقيق

لقد علمتنا الآية الأولى أن نصدّق التصديق الكامل بأن الله هو مالك الملك، وأن بيده ملكوت كل شيء، وأنه لا ملجأ ولا منجى منه إلا إليه. ولقد علمتنا الآية الثانية أن نتحقق بهذا اليقين من خلال المشاهدة اليومية لتصريف الله في كل لحظة من حياتنا: في تقلب الليل والنهار وما يحملانه من معاني القبض والبسط، وفي إخراج الحي من الميت وما يمثله من إغلاق لباب اليأس وفتح لآفاق الرجاء، وفي إخراج الميت من الحي وما فيه من سر التجدد والاستمرار لحكمة بالغة، وفي الرزق الذي يأتي بلا حساب وما فيه من منتهى التسليم واليقين المطلق بقدرة الله. فمن صدّق بلسانه وقلبه، تحقق بمشاهدته ويقينه، ومن تحقق بالمشاهدة اطمأن قلبه، واستأنس بربه، ووثق برزقه الذي لا ينقطع. فقل يا عبد الله بقلب خاشع ولسان ذاكر: "اللهم مالك الملك"، واطلب منه حاجتك، وثق بعطائه، واطمئن لتدبيره. فإن الذي يُصرّف الكون كله بهذه الدقة والروعة، كيف لا يُصرّف أمرك ويُسير شؤونك؟ اللهم يا مالك الملك، يا من بيده ملكوت كل شيء، آتِ نفوسنا تقواها، وزكّها أنت خير من زكّاها. اللهم يا من تولج الليل في النهار، أخرجنا من ظلمات همومنا إلى أنوار فرجك، ومن ضيق تدبيرنا إلى سعة تقديرك. اللهم أحيِ قلوبنا باليقين كما تُحيي الأرض بعد موتها، واجعل فقدنا زيادةً لنا في القرب منك، ووجَدنا سبباً لشكرك. وارزقنا اللهم رزقاً بغير حساب؛ رزقاً في الإيمان، وبركةً في العمر، وسكينةً في القلب، ويقيناً لا يداخله شك. إنك على كل شيء قدير. والله أعلم.

تم التنسيق عبر مدونة محراب الكلمة

Abdennaceur
بواسطة : Abdennaceur
بسم الله الرحمن الرحيم مرحباً بكم في "محراب الكلمة"، مساحة للتأمل والتفكر في رحلة الإنسان وعلاقته بخالقه ونفسه والكون من حوله. أشارككم هنا خواطري التي تتنقل بين التأصيل والتفصيل، بين القواعد الكلية والتطبيقات الجزئية، مستلهماً من نور الوحي وهدي النبوة وتجارب الحياة. ستجدون في هذه المساحة مقالات فكرية تغوص في أعماق النفس البشرية، وخواطر أدبية تلامس شغاف القلوب، وروايات هادفة تحمل في طياتها دروساً وعبراً. أسعى من خلال هذه المدونة إلى تقديم محتوى يجمع بين الأصالة والمعاصرة، بين عمق الفكرة وجمال العبارة، بين الحكمة والقصة، بأسلوب يخاطب العقل والقلب معاً. أدعوكم لمشاركتي هذه الرحلة الفكرية والروحية، وأرحب بتعليقاتكم وإضافاتكم التي تثري المحتوى وتفتح آفاقاً جديدة للتفكر والتدبر. "في محراب الكلمة نلتقي، وبنور المعرفة نرتقي"
تعليقات