مستهل الرحلة: مشهد معرفي بامتياز
في رحاب المعرفة الإنسانية، نقف اليوم عند المحطة العملية الأولى في مسيرتنا، وهي محطة التلقي كما جسدها آدم عليه السلام في أول مشهد معرفي شهده التاريخ البشري. إن هذا المشهد ليس مجرد قصة تاريخية، بل هو دستور منهجي يحدد لنا كيف نستقبل العلم ونحوله إلى حياة. يقول الله تبارك وتعالى في محكم التنزيل:
﴿ فَتَلَقَّىٰ آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ ۚ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ﴾
. في هذه الآية الكريمة، يتجلى النموذج الأصيل للتلقي الذي يمثل الصورة المثالية لاكتساب المعرفة الحقة التي تغير كينونة الإنسان.
أركان التلقي الخمسة: خارطة الطريق المعرفية
يقدم لنا المشهد القرآني أركانا خمسة تشكل هيكل التلقي السليم، وهي أولا المتلقي المعلوم المتمثل في آدم عليه السلام كإنسان واع ومستعد للانتباه. ثانيا المصدر المعلوم وهو الله سبحانه وتعالى أصدق المصادر وأوثقها. ثالثا المحتوى المعلوم وهي الكلمات التي تمثل معرفة واضحة ومحددة. رابعا الغاية المعلومة وهي التوبة والرجوع إلى الحق. وخامسا النتيجة المعلومة وهي قبول التوبة ونيل الرحمة الربانية. إن غياب أي ركن من هذه الأركان يحول عملية التعلم من بناء منهجي رصين إلى مجرد تراكم عشوائي للمعلومات.
ماهية التلقي: بين الوعي والتركيز
التلقي في جوهره هو استقبال المعرفة بوعي تام وتركيز فائق واستعداد داخلي عميق. إنه عملية نشطة ومنظمة تقوم على الانفتاح المنضبط على الحقيقة، وتمحيصها وهضمها حتى تصبح جزءا من نسيج المتلقي. وقد أكد النبي صلى الله عليه وسلم على فضل العلم النافع الذي يبدأ بحسن التلقي، حيث قال:
" مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ "
. وهذا التفقه لا يأتي إلا بالوعي والحضور الذهني وتوجيه الطاقات العقلية نحو المصدر، بعيدا عن التشتت الذهني الذي يغلب على إنسان العصر الحديث.
التلقي من المعلوم: ضمانة الموثوقية
يكمن الفرق الجوهري بين التلقي الرصين والتلقف العشوائي في طبيعة المصدر. فالتلقي الحقيقي يكون دائما من المعلوم، أي من مصدر واضح وموثوق يمكن التحقق منه والاعتماد عليه. وكما تلقى آدم من ربه، يجب على طالب العلم أن يتلقى من معلم موثوق أثبت أمانته، أو كتاب أصيل معروف المنهج، أو تجربة معاشة قابلة للتحليل. هذه الموثوقية تتيح للمتلقي تقييم المعرفة ووضعها في سياقها المناسب، بخلاف المعلومات مجهولة المصدر التي تملأ الفضاءات العامة.
صورة بيانية: الصياد والطائر
لتقريب الصورة، يمكننا تأمل الفرق بين صياد ماهر يلقي شبكته بدقة واختيار للوقت والمكان، وبين طائر يلتقط بمنقاره ما تناثر على الشاطئ دون تمييز بين النافع والضار. التلقي هو فعل الصياد، عملية واعية ومدروسة وهادفة، بينما التلقف هو فعل الطائر، عملية سريعة وسطحية تفتقر إلى العمق. إن البيئة المناسبة للتلقي تتطلب الهدوء والسكينة، وتوافر التوجيه والإرشاد، والتشجيع على التفكير النقدي بدلا من التقليد الأعمى.
تحديات العصر الرقمي: من التلقي إلى التلقف
نعيش اليوم في عصر رقمي يتسم بالتدفق المستمر للمعلومات وتشتت المصادر، مما جعل بيئتنا أقرب إلى بيئة التلقف منها إلى التلقي. غياب الإرشاد وصعوبة التحقق من صحة ما ينشر يدفعان الإنسان المعاصر نحو السطحية المعرفية. لذا، وجب علينا استعادة نموذج آدم عليه السلام في التلقي، من خلال ممارسة الوعي بالفرق بين النمطين والحرص على اختيار المصادر التي تغذي الروح والعقل معا.
خاتمة: من التلقي إلى التخلق
إن الغاية النهائية للتلقي الحقيقي ليست مجرد المعرفة النظرية، بل هي التخلق، أي تمثل العلم في السلوك والحياة. لقد غير التلقي حال آدم عليه السلام فنقله من مقام الخطأ إلى مقام التوبة والاجتباء. ويقول سيدنا علي رضي الله عنه في هذا السياق: العلم يهتف بالعمل، فإن أجابه وإلا ارتحل. في رحلتنا القادمة، سنسلط الضوء على الوجه الآخر وهو التلقف، لنفهم مخاطره وكيفية النجاة منه في عالم يموج بالمتناقضات.
تم التنسيق عبر مدونة محراب الكلمة