التوبة: من جلال الحجاب إلى جمال الوصال - تأملات في رحاب سورة التوبة

التوبة: من جلال الحجاب إلى جمال الوصال - تأملات في رحاب سورة التوبة

شارك المقال مع أصدقائك

مدخل إلى سورة التوبة: تجليات الجلال والجمال

في رحاب محراب الكلمة، نغوص اليوم في سورة التوبة، تلك السورة التي تمثل منارة الطريق لكل سالك يرجو القرب من ربه. إن تأمل سورة التوبة يكشف لنا عن نسق رباني فريد يبدأ بوقار الجلال ليفضي إلى بهاء الجمال. تبدأ السورة بخطاب يهز القلوب ويستنهض الوعي كما في قوله تعالى:

القرآن الكريم

﴿ بَرَاءَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ﴾

. ولعل السر في عدم افتتاحها بالبسملة هو وضع العبد أمام حقيقة القطع والإبعاد التي تنتج عن الإصرار على المعصية أو النفاق. هذا هو جلال التوبة في مبتداها؛ إذ تصور السورة أسوأ حال يمكن أن يؤول إليه الإنسان، وهو حال البراءة الإلهية التي تعني الحجاب المطلق عن النور.

مفهوم الحجاب الروحي وعقوبة القطع

إن الذنوب والغفلة لا تمر دون أثر، بل إنها تحدث حجاباً في القلب يبعد الروح عن أنسها بالله. المؤمن المذنب، وإن لم يصل إلى حال البراءة التامة، إلا أنه يعاني من حجاب يحرمه من تذوق حلاوة الإيمان. هذا الحجاب هو نوع من الموت الروحي، حيث يجد العبد نفسه في ظلمة لا يدرك عمقها إلا بالاستيقاظ من غفلته. ولكن الله الرحيم لا يترك عبده رهيناً لهذا الحجاب، بل يفتح له باباً سماه أهل الله باب الأبواب، وهو التوبة التي لا سبيل للوصول إلى حضرة الحق إلا من خلالها.

الثلاثة الذين خُلّفوا: محنة الضيق الوجودي

تتجلى عظمة التوبة في قصة الثلاثة الذين خلفوا، وعلى رأسهم كعب بن مالك رضي الله عنه. لم يكن هؤلاء من المنافقين، بل كانوا مؤمنين صدقوا ما عاهدوا الله عليه، لكنهم وقعوا في فخ الغفلة لحظة العسرة. فجاء الابتلاء بأصعب صوره وهو الحجاب والقطع. يصف القرآن الكريم حالهم بدقة مذهلة في قوله:

القرآن الكريم

﴿ وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّىٰ إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ ﴾

. إنه تصوير لحالة اليأس من النفس ومن الدنيا، حيث لم يعد للعبد ملجأ يأوي إليه.

الانكسار واليقين: سر الفرار إلى الله

خمسون ليلة من الصبر والضيق كانت كفيلة بتطهير قلوب هؤلاء الثلاثة من كل شائبة. وفي ذروة هذا الكرب، انقشع الحجاب حين وصلوا إلى ذروة التوحيد:

القرآن الكريم

﴿ وَظَنُّوا أَن لَّا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ﴾

. هنا لم يبق في القلب إلا الله وحده، فلا اعتماد على عمل ولا ركون إلى خلق، بل هو فرار كامل من الله إليه. هذا الانكسار هو الذي استنزل الرحمة الإلهية، فجاء التعقيب الرباني:

القرآن الكريم

﴿ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ﴾

. واستخدام حرف ثم يشير إلى تلك الفترة من التمحيص التي نضجت فيها توبتهم.

المصطفى صلى الله عليه وسلم: باب الرحمة والوصال

كما بدأت السورة بجلال البراءة، ختمت بجمال الرحمة متجسدة في شخص الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم:

القرآن الكريم

﴿ لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ ﴾

. النبي صلى الله عليه وسلم هو الواسطة التي نرجو بها قبول التوبة، وفي الحديث الشريف ما يؤكد ذلك:

الحديث النبوي الشريف:

" عن أبي بن كعب رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله إني أكثر الصلاة عليك فكم أجعل لك من صلاتي؟... قال: إذاً تُكفى همك، ويُغفر لك ذنبك "

. فالصلاة عليه طريق لرفع الهم وكشف الحجاب.

الخاتمة: ثمار الصدق وبشارة القبول

خرج كعب بن مالك من هذه التجربة بمقام أسمى مما كان عليه، وكان الصدق هو سفينة نجاته. يروي كعب لحظة الفرج فيقول:

الحديث النبوي الشريف:

" قال كعب بن مالك رضي الله عنه: فلما سلمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وهو يبرق وجهه من السرور: أبشر بخير يوم مر عليك منذ ولدتك أمك "

. هكذا تكون التوبة الحقيقية؛ تمحيص يتبعه تطهير، وضيق يتبعه سعة، وحجاب ينتهي بوصال لا ينقطع. فالله عز وجل هو التواب الذي يقبل التائبين برحمته، ويحول مرارة الانكسار إلى حلاوة في القرب.

تم التنسيق عبر مدونة محراب الكلمة

Abdennaceur
بواسطة : Abdennaceur
بسم الله الرحمن الرحيم مرحباً بكم في "محراب الكلمة"، مساحة للتأمل والتفكر في رحلة الإنسان وعلاقته بخالقه ونفسه والكون من حوله. أشارككم هنا خواطري التي تتنقل بين التأصيل والتفصيل، بين القواعد الكلية والتطبيقات الجزئية، مستلهماً من نور الوحي وهدي النبوة وتجارب الحياة. ستجدون في هذه المساحة مقالات فكرية تغوص في أعماق النفس البشرية، وخواطر أدبية تلامس شغاف القلوب، وروايات هادفة تحمل في طياتها دروساً وعبراً. أسعى من خلال هذه المدونة إلى تقديم محتوى يجمع بين الأصالة والمعاصرة، بين عمق الفكرة وجمال العبارة، بين الحكمة والقصة، بأسلوب يخاطب العقل والقلب معاً. أدعوكم لمشاركتي هذه الرحلة الفكرية والروحية، وأرحب بتعليقاتكم وإضافاتكم التي تثري المحتوى وتفتح آفاقاً جديدة للتفكر والتدبر. "في محراب الكلمة نلتقي، وبنور المعرفة نرتقي"
تعليقات