مقدمة: رحلة معرفة الله في آيات الأنعام
بسم الله، وعلى بركة الله، نستهل مقالنا هذا، الذي يأخذنا في رحلة تأمل في ثلاث آيات من سورة الأنعام، كاشفاً بصائر جليلة حول معرفة الله تعالى. هذه الآيات، على وجازتها، تفتح آفاقاً واسعة للتدبر في العلاقة بين العبد وربه، متنقلة من أساس الربوبية إلى كمال التوحيد، وصولاً إلى أسمى مراتب البصيرة القلبية. إنها دعوة للتفكر في عظيم شأن الخالق، والوقوف عند أحكامه وحدوده، والانطلاق نحو فهم أعمق للحقائق الإلهية.
﴿ ذَٰلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ ۖ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ ۚ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ وَوَكِيلٌ لَّا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ ۖ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ قَدْ جَاءَكُم بَصَائِرُ مِن رَّبِّكُمْ ۖ فَمَن أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ ۖ وَمَن عَمِيَ فَعَلَيْهَا ﴾
(الأنعام: 102-104).
الربوبية: المحور الأول والأصل في معرفة الله
تبدأ الرحلة بمرتكز عظيم:
﴿ ذَٰلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ ﴾
. وفي هذه الإشارة بـ ﴿ذَٰلِكُمُ﴾ إيماءٌ إلى العلياء والحضرة الإلهية المتنزّهة عن الزمان والمكان، الغنيّة عن كل ما سواه. إنها تنبيه لكل من شمر للسير إلى الله وطلب معرفته، بأن مقصوده عزيز المقام، رفيع الجناب. ثم يأتي لفظ ﴿رَبُّكُمْ﴾ ليُرسِّخ النسبة العميقة في القلب قبل أن يُرسِّخ التوحيد في العقل. فشرف طالب الحق وعزه وغناه يكمن في نسبته لربه، وهذه النسبة وحدها تكفيه وتُغنيه. وتتسع معاني الرب لتشمل الخالق، المدبر، المقدر، المصلح، المالك، الرازق. وكثير من الأسماء الحسنى ترجع إلى صفة الربوبية كما أفاد أهل العلم، منها الفتّاح، الوهّاب، الرزّاق، الخالق، البارئ، المصوّر. فاستقرار الربوبية في القلب يمنح الفقير اطمئناناً عميقاً بنسبته لربه، وهو الأساس الذي يقوم عليه صرح التوحيد والإيمان.
التوحيد: دعائم الإيمان ومقامات العارفين
بعد استقرار معنى الربوبية، يأتي التوحيد ليكمل بناء الإيمان، في قوله تعالى:
﴿ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ﴾
. إنه إعلان بأن ليس للعبد سواه، وليس له غنى إلا به، وأن عزته الحقيقية تكمن في افتقاره إليه سبحانه. وقد ذكر الحق سبحانه التوحيد في كتابه العزيز على أربعة أوجه، كل منها مقام ومنزلة في درجات المعرفة: أولها، توحيد العلم والتعرّف، وهو قوله عزّ وجلّ
﴿ فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ﴾
، وبه يبدأ المؤمن حين يطلب التحقق بالتوحيد علماً ويقيناً. ثانيها، توحيد الأصول والوصول، وهو
﴿ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ ﴾
، كما ورد في قوله تعالى:
﴿ شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ ﴾
، وهذا أصل التوحيد وجوهره الذي لا يعرف حقيقته إلا هو، لا يعرف هو كيف هو إلا هو. ثالثها، مقام الأحدية، حيث يقول سبحانه:
﴿ إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي ﴾
. هو واجب الوجود، وكل ما سواه ممكن الوجود، ولا تعرف الذات الإلهية إلا ذاته. رابعها، توحيد الكُمَّل من الرجال، توحيد الحضور والشهود والمعرفة الحقيقية، كما في دعاء يونس عليه السلام:
﴿ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ ﴾
، بمعنى ليس غيرك ولا معك شيء، وحدك أنت. لقد جمع الحق في هذه الآية كل مراحل المعرفة والسير، ثم ختمها بقوله:
﴿ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ ﴾
، لأن التوحيد إن لم يثمر عبادة فهو توحيد ناقص. والعبادة لا تكون إلا بالمعرفة، ولا تكمل المعرفة إلا بالتوحيد. وتتجلّى الربوبية أيضاً في قوله:
﴿ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ ﴾
، وكأن الحق يقول لعبده: لا تشغل نفسك بغيري، ولا تلتفت لسواي، فإني كفيتك كل شيء وأنا وكيلك في كل أمر.
تجاوز الإدراك الحسي: كمال معرفة الله
بعد استقرار التوحيد وصحة العبودية، يأتي قول الحق سبحانه ليقطع طريق الوهم من أساسه، في قوله تعالى:
﴿ لَّا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ ۖ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ﴾
. هذا النفي الصريح يكسر وهم العبد بأن المعرفة والسير يكون بالعقول أو الأبصار المادية. فأبصارنا الكليلة لا تتحمل ضوء الشمس، فكيف بها أن تدرك نور الحقيقة الإلهية المتجلية؟ إنها دعوة للاعتراف بعجزنا البشري أمام عظمة الخالق. ونلاحظ تكرار الضمير 'هو' في السياق: ﴿إِلَّا هُوَ﴾... ﴿فَاعْبُدُوهُ﴾... ﴿وَهُوَ وَكِيلٌ﴾... ﴿وَهُوَ يُدْرِكُ﴾... ﴿وَهُوَ اللَّطِيفُ﴾. هذه الإشارات المتوالية تؤكد أن المعرفة الحقيقية تكمن في العجز عن الإحاطة، لا في الادعاء بالإدراك التام. وكما قيل في حكمة تنسب للصديق رضي الله عنه: 'العجز عن درك الإدراك إدراك، والبحث في ذات الله إشراك.' فالحواس محدودة، والعقول قاصرة، وهذا العجز في الإدراك الحسي والعقلي يفتح باباً آخر، وهو باب البصيرة القلبية الذي تهبه الرحمة الإلهية.
البصائر: نورٌ ربانيٌّ يضيء دروب القلوب
إن التسليم باستحالة الإدراك الظاهري والعقلي يمهد السبيل لاستقبال ما تدلى من أسرار وأنوار إلهية، التي بشّرت بها الآية الثالثة:
﴿ قَدْ جَاءَكُم بَصَائِرُ مِن رَّبِّكُمْ ۖ فَمَن أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ ۖ وَمَن عَمِيَ فَعَلَيْهَا ﴾
. لاحظ كيف عادت الآية إلى التذكير بالعناية والرعاية ﴿مِن رَبِّكُمْ﴾، لتؤكد أن حسن الظن في الله هو مفتاح الولاية، وأن هذه البصائر ليست من اجتهاد العبد وحده، بل هي هدية ونور من الرب سبحانه. فالبصر المادي كليل لا يدرك الحقائق كما هي، أما البصيرة فهي نور يهبه الله لمن فتح قلبه وأخلاه من الهوى، يرى بها القلب المشرق بنور المحبة والرغبة في الله ما لا تراه الأبصار. وهذه البصائر جاءتنا في كلام الله وآياته الباهرة، في كلماته التي لا تنتهي معانيها ولا منتهى لأسرارها. وكما قال الإمام جعفر الصادق رضي الله عنه: 'إن الله تجلّى لعباده في كلامه'. فمن أراد أن يعرف ربه حق المعرفة، فليفتح قلبه لبصائر القرآن. وكما يتعلم المسلم مخارج الحروف ليتقن التلاوة، فعليه أن يتعلم مداخل الحروف ليُبصر بقلبه ما جاء من الحق جل وعلا. فـ 'مداخل الحروف للقلوب، ومخارج الحروف للسان'.
خاتمة: دعوة للتدبر والنورانية
لقد كانت هذه الآيات الكريمة من سورة الأنعام منارة تهدي السالكين في دروب المعرفة الإلهية، من إدراك معاني الربوبية الشاملة تعلُّقا وتخلُّقا، ومروراً بالتحقُّق بالتوحيد في مراتبه ومقاماته، ووصولاً إلى نور البصائر الربانية التي تتجاوز محدودية الحواس والعقول. إنها دعوة صادقة للتدبر العميق في كتاب الله، لاكتشاف هذه الحقائق بأنوار القلب لا بمجرد بصر العين أو فهم العقل، بالتوصيل قبل التحصيل. فمعرفة الله رحلة نورانية، يهبها الله لمن أخلص نيته وفتح قلبه للأنوار الإلهية المتجلية في كلامه وآياته الكونية. اللهم يسّر لنا تلاوة كتابك العزيز كما تحب وترضى، وبتقويم اللسان وتطهير الجَنان، وفهّمنا معانيه، وبصّرنا بآياته وأسراره يا رب العالمين.
تم التنسيق عبر مدونة محراب الكلمة