سِرُّ التَّوصيل بالتَّأصيل: الفرق بين الواصل والموصِّل في آفاق الإرشاد

سِرُّ التَّوصيل بالتَّأصيل: الفرق بين الواصل والموصِّل في آفاق الإرشاد

شارك المقال مع أصدقائك

مقدمة: ما وراء المعرفة والوصول

في ساحة المعرفة الروحية الفسيحة، حيث تتعدد المقامات وتتباين الأحوال، يبرز تساؤل جوهري يمس جوهر التربية والإرشاد: هل كل من نال شرف المعرفة بالله صار مؤهلاً للدلالة عليه؟ إن الفرق بين الواصل والموصِّل كالفرق بين من ملك كنزاً ومن أُعطي مفاتيحه ليوزع منه على المحتاجين. في هذا المقال عبر مدونة محراب الكلمة، نغوص في أسرار الإذن الإلهي الذي يجعل من العبد دالّا على الله، ونحلل كيف أن التوصيل بالحق يتطلب تأصيلاً في الصدق.

أولاً: الداعي إلى الله لا يدعو إلا بإذنه

أمر الله نبيه ﷺ أن يحدد معالم سبيله بوضوح تام، فالمسألة ليست مجرد نقل معلومات، بل هي بصيرة ونور يقذفه الله في القلب. يقول الحق تبارك وتعالى:

القرآن الكريم

﴿ قُلْ هَٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ ۚ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي ۖ وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴾

. إن الداعي الحقيقي هو من غاب عن ذاته وحضر بربه، فلا يدعو لنفسه ولا لعلمه، بل يكون مرآة تتجلى فيها أنوار الحق. وجاء البيان الإلهي ليضع شرط الفتح في قوله تعالى:

القرآن الكريم

﴿ وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُّنِيرًا ﴾

. فهذا الإذن هو السر المكنون الذي يحول الكلمة من مجرد صوت إلى روح تسري في القلوب، وهو سلطان إلهي يُمنح ولا يُكتسب، به يفرق الله بين المتكلم بالحال والمتكلم بالمقال.

ثانياً: الأرض الطيبة وسر الإذن الإلهي

ترسم لنا الآيات القرآنية مشهداً بديعاً يربط بين استعداد العبد وفعل الرب، حيث يقول عز وجل:

القرآن الكريم

﴿ وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ ۖ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا ﴾

. هنا تبرز ثلاثة أبعاد للتأصيل: أولاً، طيب الأرض وهو تزكية النفس والمجاهدة. ثانياً، الإذن الرباني وهو المحرك الحقيقي للنفع. وثالثاً، النبات وهو الأثر الظاهر في الخلق. فمن اكتفى بطيبه ظن أن الفضل منه، ومن أدرك سر الإذن بقي منكسراً بباب ربه، يعلم أن جودة التربة لا تنبت زرعاً دون إذن من بيده ملكوت كل شيء.

ثالثاً: الشجرة الطيبة وعطاء لا ينقطع

تكتمل صورة المرشد المأذون في مِثال الشجرة التي ضربها الله للكلمة الطيبة:

القرآن الكريم

﴿ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ ﴾

ثم يتبعها بالشرط الجوهري للثمرة:

القرآن الكريم

﴿ تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا ﴾

. إن ثبات الأصل يعني التمكن الروحي والرسوخ الذي لا تزعزعه الفتن، وعلو الفرع يعني الاتصال الدائم بمصدر النور. ومع كل هذا الرسوخ والسمو، لا تُؤتي الشجرة ثمرها إلا بإذن ربها، وهذا ما يجعل المرشد الصادق متواضعاً أبداً، فلا يمنّ بفضله على تلاميذه، بل يرى نفسه مجرد وعاء لتجليات الإذن الإلهي.

رابعاً: العبد مستعمَل والفاعل هو الله

إن قمة التحقق الروحي تتجلى في الانتقال من مقام المجاهدة إلى مقام الاستعمال، وهو ما يوضحه الحديث القدسي الجليل:

الحديث النبوي الشريف:

" وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ: كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا "

. المرشد المأذون هو من بلغ هذا المقام، فصارت حركته وسكونه بالله ولله. ولهذا كان التوفيق في الهداية منسوباً للحق سبحانه كما في الحديث الشريف:

الحديث النبوي الشريف:

" فَوَاللَّهِ لَأَنْ يَهْدِيَ اللَّهُ بِكَ رَجُلًا وَاحِدًا، خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَكَ حُمْرُ النَّعَمِ "

. لاحظ دقة التعبير يهدي الله بك، فالباء هنا للاستعمال لا للفاعلية، فالعبد أداة والفاعل هو رب العالمين.

خاتمة: ندرة أهل الإذن

في ختام رحلتنا بمحراب الكلمة، ندرك أن التوصيل ليس بكثرة المعلومات ولا بزخرف القول، بل هو سرّ يضعه الله فيمن يشاء من عباده الذين خلصوا له وصدقوا معه. ليس كل راشد قادراً على الإرشاد، فالإرشاد رتبة فوق الرشاد، تحتاج إلى تأصيل عميق وإذن دقيق. فكن طالباً للإذن بالعبودية، لا طالباً للتصدر بالدعوى، فما كان لله دام واتصل، وما كان لغيره انقطع وانفصل.

تم التنسيق عبر مدونة محراب الكلمة

Abdennaceur
بواسطة : Abdennaceur
بسم الله الرحمن الرحيم مرحباً بكم في "محراب الكلمة"، مساحة للتأمل والتفكر في رحلة الإنسان وعلاقته بخالقه ونفسه والكون من حوله. أشارككم هنا خواطري التي تتنقل بين التأصيل والتفصيل، بين القواعد الكلية والتطبيقات الجزئية، مستلهماً من نور الوحي وهدي النبوة وتجارب الحياة. ستجدون في هذه المساحة مقالات فكرية تغوص في أعماق النفس البشرية، وخواطر أدبية تلامس شغاف القلوب، وروايات هادفة تحمل في طياتها دروساً وعبراً. أسعى من خلال هذه المدونة إلى تقديم محتوى يجمع بين الأصالة والمعاصرة، بين عمق الفكرة وجمال العبارة، بين الحكمة والقصة، بأسلوب يخاطب العقل والقلب معاً. أدعوكم لمشاركتي هذه الرحلة الفكرية والروحية، وأرحب بتعليقاتكم وإضافاتكم التي تثري المحتوى وتفتح آفاقاً جديدة للتفكر والتدبر. "في محراب الكلمة نلتقي، وبنور المعرفة نرتقي"
تعليقات