جوهر الأذكار وحقيقة العبودية
تمثل الأذكار في حياة المؤمن محطات للتذكير بالحقائق الوجودية الكبرى التي قد تطمسها غمرة الحياة اليومية. إن أعظم هذه الحقائق هي تلك المعادلة التي تجمع بين ربوبية الخالق المطلقة وعبودية المخلوق المفتقرة. فكل ذكر يردده اللسان هو بمثابة إعلان متجدد لهذه الصلة الأزلية التي يجددها العبد في مطلع يومه وعند غروبه ليبقى قلبه متصلا بمصدر الوجود ومنبع النور.
الوصية النبوية الخالدة
لقد خلدت السنة النبوية وصية غالية من النبي ﷺ لابنته سيدة نساء العالمين فاطمة رضي الله عنها، وهي وصية جامعة لكل معاني الالتجاء والافتقار.
" عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِفَاطِمَةَ رضي الله عنها: مَا يَمْنَعُكِ أَنْ تَسْمَعِي مَا أُوصِيكِ بِهِ، أَنْ تَقُولِي إِذَا أَصْبَحْتِ وَإِذَا أَمْسَيْتِ: يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ بِرَحْمَتِكَ أَسْتَغِيثُ، أَصْلِحْ لِي شَأْنِي كُلَّهُ، وَلَا تَكِلْنِي إِلَى نَفْسِي طَرْفَةَ عَيْنٍ "
إن هذا الدعاء ليس مجرد كلمات بل هو منهج حياة يضبط بوصلة الروح نحو خالقها.
تأملات في الأسماء الحسنى: الحي القيوم
حين ينادي العبد ربه قائلا يا حي يا قيوم فإنه يستحضر أصل الوجود وعماده. فالله سبحانه هو الحي على الحقيقة وما سواه فان بنفسه، وهو القيوم الذي قام بذاته وأقام غيره. كما ورد في قوله تعالى:
﴿ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ﴾
. إن هذا النداء يعني أن العبد يطلب المدد ممن بيده مقاليد الحياة والبقاء، معترفا بأن حياته وعقله وقلبه إنما هي فيوضات من قدرة الله ورحمته، فكم من خلق تائه لا يدرك حقيقة نفسه ولا يعرف ربه فكيف يطلب مدده؟
الاستغاثة بالرحمة وسر الافتقار
الوقوف على عتبة الاضطرار هو جوهر العناية الإلهية. إن الكثير من الناس يهرب من الشعور بالضعف باحثا عن قوة زائفة، بينما السر العجيب يكمن في أن هذا الضعف هو الباب الذي لو طرقه العبد لانفتحت له أبواب السماوات. إن قول العبد برحمتك أستغيث هو إقرار بأن اضطراره لله نعمة عظمى، فمن عرف عجزه عرف رحمة ربه. فحتى نداء العبد لربه هو في ذاته رحمة سبقت الطلب لأن الله هو الذي أجرى هذا النداء على لسان أحياه وبقلب فتحه.
شمولية الإصلاح وحقيقة النفس
عندما يطلب العبد أصلح لي شأني كله فإنه يعترف بوجود خلل في شأنه يحتاج إلى تقويم إلهي. والعدو الأول الذي يفسد شأن الإنسان هو نفسه التي بين جنبيه. وكلمة كله توضح أن الإنسان لا يحيط بكل جوانب النقص في حياته، فيفوض الأمر لمن يحيط بكل شيء علما. إن العبد يقول بلسان حاله: يا رب أصلح لي ما أعلم من فساد حالي وما لا أعلم، فأنت أعلم بي مني.
خطر الغفلة في طرفة عين
اختيار كلمة طرفة عين في الدعاء يحمل تحذيرا مرعبا ولطيفا في آن واحد. فهي أقصر لحظة زمنية، ومع ذلك فهي كافية للنفس لتفسد حياة العبد إذا غفل عن ربه. كم من عابد أفسدت نفسه عمله في لحظة كبر أو هوى. هذا الإدراك لهشاشة النفس يلجئ العبد إلى الحي القيوم الذي لا تأخذه سنة ولا نوم، فالمؤمن يستعين بمن لا يغفل طرفة عين على نفس قد تهلك في طرفة عين.
الخاتمة: الرحمة حبل الوصال
تظل الرحمة هي الجسر الواصل بين العبد الفقير والرب الغني. لم يقل الدعاء بقوتك أو بعدلك، بل قال برحمتك، لأن الرحمة هي التي سبقت الغضب وهي التي تسمح للمذنب المحتاج بأن يرفع رأسه بالنداء. إن النجاة غاية لكن الوصال بالله غاية أسمى، وهذه الرحمة هي رفيقة المؤمن في صباحه ومسائه، وفي قبره وحشره، وفي جنات النعيم. فهي أول كل شيء وآخره، وبها يستقيم أمر العبد في الدارين.
تم التنسيق عبر مدونة محراب الكلمة
