مقدمة: من التلقي الواعي إلى التشتت العشوائي
في رحلتنا المعرفية المستمرة عبر محراب الكلمة، تأملنا في الحلقة السابقة النموذج الأسمى للتلقي الحقيقي، والذي تجلى في أرقى صوره حين استقبل آدم عليه السلام الوحي بوعي وتركيز تامين، كما ورد في قوله تعالى:
﴿ فَتَلَقَّىٰ آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ ۚ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ﴾
. لقد كان تلقيا من مصدر معلوم، ولغاية معلومة، وبمنهج واضح. أما اليوم، فنحن بصدد الكشف عن الوجه المقابل والمظلم لهذه العملية، وهو ما نطلق عليه التلقف.
ماهية التلقف: حين يصبح العلم تكديسا بلا معنى
التلقف هو عملية سلبية تقوم على التقاط المعلومات بسرعة وسطحية، دون تمحيص أو تدبر. إنه جمع عشوائي يفتقر إلى المنهجية، حيث يصبح الإنسان مجرد وعاء لتراكم المعلومات دون ترتيب أو تقييم لنفعها من ضررها. وقد قيل في الحكمة قديما: من طلب العلم جملة، ذهب عنه جملة، إنما يدرك العلم شيئا فشيئا على مر الأيام والليالي. فالمتلقف كمن يجمع الحصى من الطريق، لا يفرق بين الجوهر الثمين والحجر العادي، مما يؤدي في النهاية إلى تكديس معرفي بلا روح ولا أثر.
آفة المصادر المجهولة في العصر الرقمي
يتميز التلقف بكونه غالبا ما يصدر عن مجهول، وفي عصرنا الرقمي الحالي، تحول التلقف من مجرد خطأ فردي إلى ظاهرة مجتمعية مقلقة. ينهل الناس معلوماتهم من فيض الإنترنت المتدفق دون تثبت من القائل أو المصدر، ضاربين عرض الحائط بمنهج الإسلام في التثبت الذي أرشده إليه الوحي في قوله تعالى:
﴿ وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ۚ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا ﴾
. إن الاعتماد على منشورات عابرة أو معلومات مجهولة المصدر يبني صرحا من الوهم لا يصمد أمام رياح التمحيص العلمي.
ثنائية العقلية: بين الانضباط المعرفي والشتات الفكري
إن الفرق بين التلقي والتلقف لا ينحصر في طريقة كسب المعلومة فحسب، بل يمتد ليشكل جوهر العقلية الإنسانية. التلقي الصحيح يبني عقلية متوازنة، ناقدة، وقادرة على تحليل المعطيات وربطها في نسيج واحد متكامل، وهو ما يجسد قول الإمام علي رضي الله عنه: العلم مقرون بالعمل، فمن علم عمل، ومن عمل علم. أما التلقف، فينتج عقلية مضطربة ومشتتة، تفتقر إلى العمق والتماسك المنطقي، لأنها بنيت على أنقاض معلومات متنافرة لا يجمعها رابط منهجي، مما يجعل صاحبها كما قال الجاحظ: ويل لمن كان علمه في صدره، وبضاعته في كمه.
قصة القارئين: عبرة في جودة التلقي
لنعتبر بقصة شخصين من واقعنا المعاصر؛ الأول قارئ نهم يلتهم الكتب التهاما وينتقل بين المواضيع دون توقف أو تدبر، والثاني قارئ متأن ينتقي ما يقرأ بعناية ويمنح كل فكرة حقها من البحث والنقاش. بعد سنوات، تجد الأول غارقا في تناقضاته، ضحل الفهم رغم غزارة اطلاعه، بينما تجد الثاني منظما في فكره، رصينا في آرائه، عميقا في فهمه للواقع. هذا الفرق الشاسع هو الثمرة المرة للتلقف مقابل الثمرة الطيبة للتلقي الواعي.
العودة إلى التلقي الواعي كضرورة حياتية
في ظل الضوضاء الرقمية وغياب التوجيه، أصبح لزاما علينا العودة إلى جذور التلقي السليم. إن التمييز بين التلقي والتلقف مهارة أساسية للنجاة الفكرية في هذا العصر. فالعلم كما قيل بالتلقي وليس بالتلقف، وهذه دعوة لكل باحث عن الحقيقة أن يسلك طريق التوثيق والتحقق، وأن يختار مصادره بعناية فائقة ليرتقي بنفسه من حضيض التشتت إلى آفاق الوعي الرصين. وفي حلقتنا القادمة، سنبحر في مراتب المعرفة لنفهم كيف يتدرج الإنسان في سلم الفهم الحقيقي.
تم التنسيق عبر مدونة محراب الكلمة