مقدمة: السؤال الذي يُخفي المكيدة
جاءني سؤال من أحد الإخوان ينقله عن بعضهم: "بما أن الله لطيف بعباده، فلِمَ نطلب منه اللطف؟" سؤال يبدو بريئاً، بل ذكياً في ظاهره، يحمل نكهة التأمل الفلسفي والنظر العقلي. لكن خلف هذه البراءة الظاهرة، تكمن مكيدة شيطانية خبيثة، مخطط متكامل الأركان، يسير بخطوات ثلاث: الشاغل، ثم المانع، ثم القاطع. وهذا بالضبط ما حذّرنا الله منه في قوله:
﴿ وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ ۚ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ ﴾
(البقرة: 168). فهي خطوات لا خطوة واحدة، مسار متدرج، كل مرحلة تمهّد للتي بعدها.
الفصل في مقام الوصل
الدعاء، في جوهره، وصلٌ وقرب وعبادة. هو لحظة يتّصل فيها العبد بربه، يناجيه، يفتقر إليه، يقف بين يديه موقف الذليل المحتاج أمام العزيز الغني. هذا مقام حضور، مقام انكسار، مقام ذوق وتعلّق. فيأتي الخاطر الشيطاني ليُحدِث فصلاً في موطن الوصل. يأتي بسؤال عقلاني في لحظة قلبية، بجدل منطقي في موقف روحي، بـ"لماذا" في مقام "كيف".
المرحلة الأولى: الشاغل - تشتيت القلب عن كنزه
يبدأ المخطط بخاطر بسيط: "لماذا ندعو بما هو موجود أصلاً؟" هذا السؤال شاغل، يشتت انتباه القلب عن الكنز الحقيقي. فبدلاً من أن يعيش العبد حضور الدعاء وحلاوة المناجاة، ينشغل بـ: التحليل المنطقي للدعاء، والسؤال عن معقولية الطلب، والجدل الفلسفي حول الصفات. الشاغل يُخرج العبد من مقام القلب إلى دائرة العقل الجدلي، من الذوق إلى النظر، من الحضور إلى التفكير. والنتيجة؟ غفلة عن الثمين، وانشغال بالواهي. يُترَك الكنز الحقيقي (الوصل بالله) ويُلتفَت إلى الأوهام (أسئلة عقلية لا تنتهي).
المرحلة الثانية: المانع - حجب العبد عن كنوز الدعاء
بعد أن شُغل القلب بالتحليل والتفكير، يأتي المانع ليحجبه عن كنوزه الحقيقية. يتساءل العبد: "ما فائدة الدعاء إذا كان اللطف موجوداً أصلاً؟"، "لماذا أدعو وأنا أشعر أنه تحصيل حاصل؟"، "ربما دعائي لا معنى له..." هذه الموانع تحجب العبد عن كنوزه الحقيقية مثل: كنز المناجاة والأنس بالله، كنز الانكسار والافتقار، كنز حلاوة القرب في الدعاء، وكنز اليقين بأن الله يسمع ويجيب. الشاغل كان يُلهي، أما المانع فيُبعد ويحجب. في الأول كان القلب مشغولاً، وفي الثاني صار محجوباً، ممنوعاً من الوصول إلى ما كان يملك من الفضل.
المرحلة الثالثة: القاطع - سلب الدعاء وقطع الوصل
وهنا الطامة الكبرى! بعد الشاغل الذي لهّى، والمانع الذي حجب، يأتي القاطع ليسلب ما كان موجوداً ويقطع الطريق كلياً. في هذه المرحلة، قد يترك العبد الدعاء بالكلية، وتموت حلاوة المناجاة في قلبه، وينقطع الوصل بالله، فيفقد ما كان لديه من قبل! العبد الذي كان يدعو بخشوع وحضور، الذي كان يجد حلاوة في المناجاة ولذة في الانطراح بين يدي ربه، صار الآن محروماً من الدعاء أصلاً. قُطع طريقه، سُلبت كنوزه، ضاع ما كان يملك. هذا هو المخطط الخبيث الكامل: الشاغل: يُلهي → فيغفل. المانع: يحجب → فيُحرَم. القاطع: يسلب → فيُقطع.
حقيقة الدعاء: عبادة ووصل لا مجرد طلب
الخطأ الكبير أن نظن الدعاء معاملة منطقية: "أنا أطلب، والله يعطي أو لا يعطي". لكن حقيقة الدعاء أعمق من ذلك بكثير. الدعاء في ذاته عبادة، كما قال النبي ﷺ:
" الدُّعَاءُ هُوَ العِبَادَةُ "
. لم يقل "من العبادة" بل "هو العبادة"، تأكيداً على جوهرية الدعاء. الدعاء وصل وحضور، ليس طلب سلعة غائبة، بل هو: انطراح بين يدي الحاضر الذي لا يغيب، إظهار للفقر أمام الغني المطلق، إقرار بالعبودية المحضة. الدعاء ليس لإعلام الله بحاجتك (فهو يعلم)، ولا لتذكيره بصفاته (فهي قائمة)، بل هو مقام العبودية: "أنا الفقير وأنت الغني، أنا المحتاج وأنت اللطيف". عندما تقول: "يا لطيف، الطُف بي"، أنت لا تُعلّم الله بأنه لطيف، ولا تُذكّره بصفته، بل أنت تتوسل إليه بصفته الجميلة، وتُقرّ بافتقارك الدائم، وتحضر في مقام العبودية، وتطلب تجلي آثار لطفه عليك في هذه اللحظة.
العلاج الناجع: كشف الخاطر الشيطاني والعودة للقلب
الخطأ أن نُجيب على السؤال بمنطق عقلي، لأن هذا يُبقينا في دائرة الشاغل نفسها. نظلّ ندور في حلقة "التحليل والتعليل"، بينما القلب يزداد جفافاً ويُحرم من حلاوة القرب. الصواب أن نكشف حقيقة الخاطر ونُحذّر من مساره الخبيث: أولاً: التعرّف: هذا ليس سؤالاً بريئاً، بل مدخل شيطاني خفي. ثانياً: الكشف: هذا أول خطوة في مخطط شيطاني يريد قطعك عن الدعاء كلياً. ثالثاً: العودة: ارجع إلى قلبك، عُد إلى مقام الحضور، اترك الجدل العقلي في هذه اللحظات الروحانية. وللتحصين: احفظ قلبك من الشواغل العقلية في مقامات القلب، ولا تشغل نفسك بـ"لماذا" عندما تكون في مقام "كيف"، واعلم أن الدعاء كنز في ذاته، لا يحتاج تبريراً ولا تحليلاً منطقياً لإثبات قيمته.
الدعوة الإلهية الصريحة: الله يدعوك أن تدعوه
وفي ختام هذا التأمل، نقف أمام حقيقة ساطعة تكشف زيف كل شبهة، وتقطع دابر كل خاطر شيطاني: الله نفسه يدعونا إلى دعائه! يقول الله تعالى في سورة البقرة:
﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ۖ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ ﴾
(البقرة: 186). تأمل في هذه الآية العجيبة! عندما سألوا النبي ﷺ عن ربه، لم يقل الله: "قل لهم إني بعيد" ولا "قل لهم ادعوني إن شئتم"، بل قال بلا واسطة: "فَإِنِّي قَرِيبٌ". قربٌ بلا مسافة، وإجابةٌ بلا شرط إلا الدعاء نفسه. ثم يأتي الحديث القدسي العظيم الذي رواه مسلم، وفيه دعوة صريحة من الحق سبحانه لعباده أن يسألوه كل شيء، لا يستثنون شيئاً:
" يَا عِبَادِي، كُلُّكُمْ ضَالٌّ إِلَّا مَنْ هَدَيْتُهُ، فَاسْتَهْدُونِي أَهْدِكُمْ. يَا عِبَادِي، كُلُّكُمْ جَائِعٌ إِلَّا مَنْ أَطْعَمْتُهُ، فَاسْتَطْعِمُونِي أُطْعِمْكُمْ. يَا عِبَادِي، كُلُّكُمْ عَارٍ إِلَّا مَنْ كَسَوْتُهُ، فَاسْتَكْسُونِي أَكْسُكُمْ. يَا عِبَادِي، إِنَّكُمْ تُخْطِئُونَ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَأَنَا أَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا، فَاسْتَغْفِرُونِي أَغْفِرْ لَكُمْ. يَا عِبَادِي، لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ، وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ، قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلُونِي، فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ، مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي إِلَّا كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إِذَا أُدْخِلَ الْبَحْرَ "
. أترى هذه الدعوة الصريحة؟ الله يأمرك أن تستهديه، يأمرك أن تستطعمه، يأمرك أن تستكسوه، يأمرك أن تستغفره! فكيف يأتي خاطر شيطاني ليقول: "لماذا تدعو بما هو موجود؟"، والله نفسه يقول لك: "اسْأَلْنِي، اطْلُبْنِي، ادْعُنِي"؟! الله يُخبرك أن ملكه لا ينقص بسؤالك، وأن خزائنه لا تنفد بطلبك، وأن كرمه لا حدود له. فكيف يأتي الشيطان ليُشكّكك في معقولية الدعاء؟!
الجواب الحاسم: طاعة أمر الله في الدعاء
السؤال كان: "لماذا ندعو باللطف وهو لطيف أصلاً؟" والجواب من الله نفسه:
﴿ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي ﴾
- أي: ليستجيبوا لدعوتي بأن يدعوني! الله يدعوك إلى دعائه، فكيف تتردد؟ الله يأمرك بسؤاله، فكيف تشك؟ الله يفتح لك بابه، فكيف تقف تسأل عن "المعقولية"؟! المعقولية الوحيدة هنا هي: أن تُطيع دعوة ربك. هو دعاك أن تدعوه، فادعُه. هو أمرك أن تسأله، فاسأله. هو فتح لك باب كرمه، فادخل ولا تتردد.
الخاتمة: حراسة القلب من مكائد الشيطان والدعاء عبادة
فاحذر، أيها المسافر إلى الله، من خطوات الشيطان: شاغل يُلهيك عن الكنز، ومانع يحجبك عن القرب، وقاطع يسلبك ما كنت تملك. واعلم أن الدعاء دعوة من الله قبل أن يكون طلباً منك. الدعاء وصل أمرك الله به. الدعاء عبادة دعاك الله إليها. الدعاء كنز فتحه الله لك. فلا تدع أحداً يفصلك عنه، ولو تزيّا بزي العقل والمنطق.
﴿ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ۚ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ ﴾
(غافر: 60). والله أعلم، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
تم التنسيق عبر مدونة محراب الكلمة
