مقدمة: البوصلة التي تفرق بين الهدى والهوى
في زمننا هذا الذي يتسارع فيه الحديث عن 'التجديد' و'العقلانية' و'مواكبة العصر'، ويستخدم البعض هذه الشعارات البراقة لتبرير الانحراف عن منهج الوحي الصافي، يقف المسلم حائراً أمام هذا الزحام الفكري المتلاطم. كيف يمكن له أن يوازن بين احترام عقله وتقدير دينه؟ وكيف يفكر دون تجاوز حدود الشرع؟ وكيف يسلم للوحي دون أن يلغي عقله؟ الإجابة تكمن في فهم قاعدة جوهرية فاصلة، هي البوصلة التي تفرق بين من يسعى لفهم الدين كما أراد الله، ومن يريد تشكيله وفقاً لهواه. هذه القاعدة المحورية هي: تحكيم الشرع في العقل، لا تحكيم العقل في الشرع.
منهجان متناقضان: أيُّهما الصواب؟
عندما نتحدث عن 'تحكيم العقل في الشرع'، فإننا نقع في مغالطة منهجية تجعل العقل البشري المحدود حاكماً على النص الشرعي المطلق. صاحب هذا المنهج يرى أن ما وافق عقله قبله، وما خالفه رده أو أوله بما يناسب فهمه الشخصي، جاعلاً 'المعقولية' هي المعيار الأوحد للقبول والرفض. النتيجة الحتمية لهذا المنهج هي دين مشوّه، يتغير بتغير الأهواء والأزمان والأشخاص، ويفقد بذلك ثباته وصدقيته. أما المنهج الصحيح، فهو 'تحكيم الشرع في العقل'. هنا، يُنظر إلى العقل كآلة للفهم لا كأداة للحكم على الوحي الإلهي. يقول من يتبع هذا المنهج: 'أستعمل عقلي لأفهم ما أستطيع من النصوص، وأسلم بما لا يُدركه عقلي، لأن الله أعلم وأحكم'. هو يُخضع فهمه للنص لا العكس، ويجعل الشرع هو المعيار الذي يصحح به تفكيره ويقوّم به نظره، والنتيجة الطبيعية هي عقل مستنير بنور الوحي، وقلب مطمئن بيقين الإيمان، بعيداً عن حيرة الشكوك وتذبذب اليقين.
صور من الواقع: شياطين، ميراث، وسنة
لنتأمل أمثلة عملية توضح الفارق الجوهري بين المنهجين: أولاً: في مسائل الغيب، حين يُخبرنا القرآن والسنة الصحيحة بوجود الشياطين وحقيقتهم وتأثيرهم، نجد صاحب المنهج الأول يقول: 'هذا لا يُعقل! الشياطين مجرد رمز أدبي للشر الداخلي في النفس البشرية، لأن عقلي لا يتصور وجود كائنات غيبية تؤثر في الإنسان'. هو يرفض النص الصريح لأنه لا يلائم تصوره الشخصي المحدود. بينما صاحب المنهج الثاني يقول: 'الله أخبرني بوجود الشياطين، وعقلي يعجز عن إدراك كل الموجودات في هذا الكون الفسيح، فأؤمن بما أخبرني به الله وإن لم أر ولم أحط علماً'. هو يسلم للوحي ويعترف بقصور عقله عن الإحاطة بكل حقائق الوجود. ثانياً: في مسائل الأحكام الشرعية، يظهر الفرق أكثر وضوحاً. خذ مثلاً مسألة الميراث، فصاحب المنهج الأول يقول: 'الميراث يجب أن يكون متساوياً بين الذكر والأنثى، لأن عقلي يرى المساواة الشكلية الكاملة هي العدل الحقيقي'. هو يُحكم مفهومه الخاص عن العدالة، ويُسقط السياق الاجتماعي والمالي والمسؤوليات المختلفة التي تبرر التفاوت في الأنصبة. بينما صاحب المنهج الثاني يقول: 'الله أعلم بالعدل الحقيقي، وقد جعل للذكر مثل حظ الأنثيين لحكمة راعى فيها اختلاف المسؤوليات والأعباء المالية، وأنا أعقل الحكمة التي أدركها، وأسلم بالحكمة التي لم أدركها بعد'. هو يثق بحكمة الله المطلقة، ويعلم أن العدل الإلهي أعمق وأشمل من تصوراته المحدودة. ثالثاً: في مسألة السنة النبوية وحجيتها، يظهر الانحراف المنهجي بشكل صارخ. صاحب المنهج الأول يقول: 'الأحاديث مجرد نقل بشري يحتمل الخطأ والتحريف، والقرآن يكفي، لأن عقلي يشك فيما لم أسمعه بأذني أو أراه بعيني'. هو يرفض نصف الدين بجرة قلم، ويسقط منظومة علمية دقيقة عمل عليها علماء الأمة قروناً طويلة. أما صاحب المنهج الثاني فيقول: 'الله حفظ دينه ووعد بحفظه، وجعل للسنة رجالاً أفنوا أعمارهم في حفظها ونقلها بمنهج علمي محكم، فأثق بما صح منها وأسلم، لأن الله لا يضيع وحيه'. هو يدرك أن حفظ الله لدينه يشمل القرآن والسنة معاً، فالسنة شارحة ومبيّنة ومفسّرة للقرآن الكريم.
مكانة العقل الحقيقية في الإسلام
قد يسأل البعض: هل هذا يعني إلغاء العقل أو تعطيله؟ والجواب: كلا، بل العكس تماماً. العقل في الإسلام له مكانة عظيمة، لكنها المكانة الصحيحة التي تليق به؛ فهو آلة للفهم، نستعملها لاستيعاب النصوص وإدراك معانيها، وأداة للاستنباط نستخرج بها الأحكام من أدلتها ونربط بين المسائل. إنه وسيلة للتدبر والتفكر في آيات الله الكونية والشرعية، فنزداد يقيناً وإيماناً. لكن العقل ليس حاكماً على الوحي، ولا مصدراً للتشريع مستقلاً عن الكتاب والسنة، ولا هو قادر على إدراك كل الحقائق والحكم بشكل مطلق، فكيف يكون معياراً للحق والباطل؟ إن العقل يُنير بنور الوحي، ويتّضح طريقه به.
لماذا يجب أن نُخضع العقل للشرع؟
قد يتساءل البعض: لماذا لا نجعل العقل حَكَماً مطلقاً ما دام أنه نعمة من الله؟ والإجابة تكمن في إدراك حدود العقل البشري المتأصلة. عقلك أيها الإنسان يعجز عن فهم كيفية تكوين خلية واحدة في جسدك، فكيف يطمع أن يحيط بأسرار الشريعة وحكم الخالق العليم؟ العقل البشري محدود بطبيعته، محدود في قدرته على الإدراك، محدود في المعلومات المتاحة له، ومحدود بتأثير البيئة والثقافة والعصر. ثم إن العقول تتفاوت بين الناس تفاوتاً كبيراً. فلو جعلنا العقل حَكَماً مطلقاً، لصار لكل إنسان دين خاص به؛ فما يقبله عقل قد يرفضه عقل آخر، وما يراه هذا معقولاً يراه الآخر مستحيلاً. فأين الثبات الذي تحتاجه العقيدة؟ وأين اليقين الذي يطمئن له القلب؟ والأخطر من ذلك أن المفاهيم العقلية تتغير عبر الزمان. فما كان يُرى 'معقولاً' و'علمياً' في قرن، صار 'خرافة' و'جهلاً' في آخر، وما يُرى 'حقيقة' اليوم قد يُرى 'وهماً' غداً. فلو جعلنا الدين تابعاً للعقل، لصار متغيراً متقلباً لا ثبات فيه ولا يقين. كما أن العقل نفسه متأثر ببيئته وثقافته وعصره؛ فعقلك يحمل بصمات الثقافة الغربية المعاصرة شئت أم أبيت، فكيف تجعله معياراً مطلقاً محايداً للحق؟ إن من يظن أن عقله 'محايد' و'موضوعي' تماماً هو أكثر الناس وقوعاً في فخ التحيز دون أن يشعر.
شهادات من السلف الصالح
لم يكن هذا الفهم ابتِداعاً جديداً، بل هو منهج السلف الصالح الأعلام الذين فهموا الدين كما أنزله الله. قال الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله في عبارة جامعة: 'والسُّنة لا تُدرك بالعقول'. وقال الإمام الشافعي رحمه الله محدداً معنى العلم الحقيقي: 'العلم ما جاء عن الله ورسوله، وما سوى ذلك فهو رأي'. هذه الكلمات من أئمة الإسلام تضع النقاط على الحروف، فالمشكلة ليست في تعارض حقيقي بين العقل والنقل، بل في ظنون وأوهام يُسميها الناس 'عقلاً' وهي في الحقيقة جهل مُركب وتأثر بأهواء العصر، وتدل على عدم إدراك حقيقة العقل ومكانته.
كيف تطبق هذا المنهج في حياتك؟
حين يأتيك نص من كتاب الله أو سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فاعمل بهذا المنهج العملي المتدرج: أولاً: فكّر واستعمل عقلك لفهم معنى النص وإدراك حكمته، فالتفكر عبادة والتدبر مطلوب شرعاً. ثانياً: تعلّم وابحث عن تفسير العلماء الثقات وشرحهم للنص، فقد سبقوك بعلم وفهم لا تستغني عنه. ثالثاً: سلّم لله فيما فهمت وفيما لم تفهم، فإن أدركت الحكمة فالحمد لله زادك الله علماً، وإن لم تدرك، فسلّم لله واعلم أن عجزك عن الإدراك لا يعني عدم وجود الحكمة، فالله حكيم عليم. رابعاً: لا تردّ النص بحجة أنه 'لا يناسب عقلي' أو 'قديم' أو 'لا يلائم العصر'، فهذه كلها حجج واهية تُخفي وراءها تقديم الهوى على الهدى.
خلاصة القول: العقل خادم للوحي
العقل خادم للوحي لا سيّد عليه، هذه هي الحقيقة التي يجب أن نعيها جيداً. العقل نور من الله، والوحي نور من الله، وأنواره لا تتعارض. العقل السليم يُسلّم للنقل الصحيح بالضرورة، لأن مصدرهما واحد وهو الله الحكيم العليم. إن البوصلة التي تحفظك من الضلال في زمن الفتن والشبهات والمرج هي أن تجعل الشرع حاكماً على عقلك، لا أن تجعل عقلك حاكماً على الشرع. هذا هو المنهج الذي يجمع بين إعمال العقل والتسليم لله، بين التفكر والخشوع، بين الفهم واليقين. وهو المنهج الذي سار عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه والسلف الصالح، فكانوا أعقل الناس وأعلمهم وأتقاهم. فاحفظ هذه البوصلة، واجعلها دليلك في طريقك إلى الله، واحفظ بها نفسك وأهلك ومن تحب. فإن من فقد البوصلة تاه في البحر وإن كان يحسب أنه يسير على هدى. نسأل الله أن يهدينا لما اختلف فيه من الحق بإذنه، وأن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأن يرزقنا الفهم عنه والتسليم لأمره، إنه سميع مجيب.
تم التنسيق عبر مدونة محراب الكلمة