آفاق التأمل وسقف الليل
باسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. يقف الإنسان أحياناً تحت سقف الليل، يرفع بصره إلى الكواكب المبثوثة في أديم السماء، فيأخذه العجب من هذا الاتساع الذي لا تدركه الأبصار، ولا تحيط به الأفكار. وفي لحظة غفلة، يتوهم أنه محض هباءة أمام هذا الكون الفسيح، وينسى أن الله سبحانه وتعالى أودع فيه من أسرار هذا الكون ما لم يودعه في سواه من المخلوقات، وجعله خليفته في الأرض، وعلمه الأسماء كلها. وكما قال الإمام علي بن أبي طالب بلسان العارفين: أتحسب أنك جرم صغير وفيك انطوى العالم الأكبر. فليس معنى هذا أن الإنسان أصل الكون أو مستغن عن خالقه، بل معناه أن الله تعالى جعله مرآة لعظمة الخلق، وجامعاً لحقائق الوجود، تكريماً منه سبحانه لا استحقاقاً من الإنسان.
رؤيا يوسف عليه السلام ومعاني التّسخير الربّاني
إن أعظم دليل على هذا التكريم الرباني هو ما أراه الله سبحانه لنبيه يوسف عليه السلام وهو غلام؛ حين رأى أحد عشر كوكباً والشمس والقمر له ساجدين. وكان ذلك وحياً نبوياً خاصاً به، تأوله الله بسجود إخوته وأبويه له تعظيماً وإكراماً. وفي هذه الرؤيا إشارة بليغة إلى أن الله سبحانه قد سخر هذا الكون كله للإنسان وصالحه، كما قال تعالى:
﴿ وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ ﴾
. وهذا التسخير فضل من الله ورحمة، غير أن الإنسان حين يصفو قلبه ويتزكى، يصير أقدر على إدراك هذه النعمة والشكر عليها، ويتحول من مجرد مستهلك للمادة إلى مشاهد لجمال الصانع.
جغرافيا العالم المنطوي في الباطن
إذا أردت أن تعرف جغرافيا هذا العالم الساكن في باطنك بفضل الله، فأنصت لنبض الوجود فيك. روحك شمس بغير كسوف، أودعها الله فيك من أمره، لا تحاط بلفظ، وهي أمانة الله عندك. وقلبك قمر يستقي الضياء من نور الله، يرقب فجر الهداية في ليل الحيرة، فإن صفا بالتقوى والذكر تجلى، وهو موضع نظر الخالق كما ورد في الحديث:
" إِنَّ اللَّهَ لَا يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ "
. أما عقلك فهو نجوم هادية ومصابيح في ليل المادة، هي الدليل لا الغاية، فمن جعل النجوم مآباً ضل، ومن جعلها معراجاً إلى الله وصل.
رحلة الخليل والبحث عن الباقي
ما فعله الخليل إبراهيم عليه السلام حين رأى ملكوت السماوات والأرض، لم تكن رحلة في الفضاء الفيزيائي، بل كانت رحلة قلب نحو الله. رأى الكوكب ثم القمر ثم الشمس، وفي كل مرة كان يتجاوز الآفل؛ لأن القلب الذي فطر على محبة الدائم لا يسكن عند المخلوق مهما عظم نوره. وهكذا السالك إلى الله: يمر بكواكب عقله فيستضيء بها ثم يتجاوزها، حتى يبلغ قمر قلبه فيستريح فيه قليلاً، ثم يسير حتى تشرق عليه شمس روحه بنور الله، فإذا هو أمام النور الذي لا يأفل، نور الله وحده الذي يمنح الوجود معناه.
المشكاة ونور الكوكب الدري
هذا النور كله مصدره واحد لا شريك له، فهو من فضل الله وحده الذي قال:
﴿ اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ ﴾
. وهذا الكوكب الدري إشارة لقلب المؤمن الذي صفا بالإيمان والتقوى، حتى صار مستعداً لفيض الهداية الربانية، فيشهد كل ذرة في كيانه لله بالوحدانية، مستمداً نوره من سراج الرسالة المحمدية الذي به تشرق الأرواح في رحلتها نحو الحق سبحانه.
الخلاصة: أنت والكون
فإذا أحسست يا أخي بصغرك أمام هذا الكون، فتذكر: أولاً كرامة الإنسان بتكريم الله له وتصويره في أحسن تقويم. ثانياً رؤيا يوسف عليه السلام في تسخير الله الكون لخدمة الإنسان ورفعته. ثالثاً رحلة إبراهيم الخليل عليه السلام في طلب الله وتجاوز كل ما سوى الحق. إن العالم الأكبر ليس في المجرات البعيدة فحسب، بل هو منطوٍ في سويداء قلبك الذي إذا عرف ربه، سجدت له أفلاك المعاني خضوعاً وإجلالاً لبارئها.
تم التنسيق عبر مدونة محراب الكلمة